.
.
.
.

صوت المرأة لم يعد عورة

بدرية البشر

نشر في: آخر تحديث:
عبر حساب في موقع «تويتر» خاص بـ «مركز الحوار الوطني»، نُشرت مقاطع من الآراء التي أعلنها المتحاورون في قاعة الحوار، وحسناً فعلوا، لأنهم بهذا أبعدونا عن «مانشيتات» بعض الصحف التي تلجأ للإثارة على حساب الصدقية. إلا أن هذا لم يمنع من أن ما بثّه حساب المركز الوطني من آراء كان صادماً لنا حتى ونحن نقرأه من بيوتنا أو مكاتبنا، وبيننا وبينه مصدات وعوازل بناء، ففاقت إثارة الطرح فيه كل إثارة صحافية، فقد صدحت إحدى الأكاديميات بأن القرآن والسنة هذه الأيام أصبحا كالكلأ المستباح لكل من يريد «تفسيرهما»، وأستغرب استغرابَ أستاذة علوم السنة أن يهتم الناس بتفسير القرآن والسنة، بينما من المنطقي أن تستغرب لو هجرهما الناس!! ولكن يبدو أن لا شيء يعجبهم من قول المختلفين معهم، فالقرآن كتاب أرسل للعالمين جميعاً وهدى للناس، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «واستفت قلبك ولو أفتاك الناس..»، وهذا دليل على التشديد على المسؤولية الفردية للمسلم، ورفض كل وساطة بين الله والعبد. كما أن القرآن وفهمه ليسا حكراً على شيوخ وواعظات جامعات دون غيرهم، لا سيما وأن المتحاورين الذين يجلسون معهم حول الطاولات يحملون أرفع الدرجات العلمية، وتدربوا على مناهج البحث، ويستطيعون بضغطة زر قراءة تفسيرات متعددة للمفسرين والفقهاء، معظمها لا يتفق على قول واحد، فقد اختلف جيل الصحابة في تفسير القرآن والسنة، مثلما اختلف ابن مسعود وابن عباس في تفسير آيات الحجاب وحكمه، ولم يقل أحدهما للآخر إنه يستبيح القرآن والسنة كالكلأ المستباح.

لم نعهد في الإسلام حكماً يجعل القرآن والسنة محتكرَيْن من نخبة هي مَن يضع في أفواه الناس القولَ الذي يقولون، وأيَّ نقل يتَّبعون، فهذا النهج الديني لم يحدث إلا في كنيسة القرون الوسطى، حتى بلغ بها أن صارت توزع صكوك الغفران، وعلى رغم هذا لم تَعْدَم في ذلك الوقت من يُبطِل حجتَها من منهجها ذاته، فقد قام أحد الأثرياء بشراء صك جهنم بأرخص ثمن ثم قال للناس توقفوا عن شراء صكوك الجنة فقد اشتريت النار، ولن أُدخل فيها أحداً!

حين شاركت في جلسات الحوار الوطني في عام 2005، شاهدت بعضَ المتحاورين والمتحاورات، ممن وضعوا أنفسهم فوق الجميع ورفض كثير منهم أن يكون لأحد غيرهم علم، بحجة عدم التخصص في العلوم الشرعية، بينما لم يتركوا هم علماً إلا اقتحموه، في التربية والطب النفسي والمجتمعي، وفي المعاملات المصرفية والسياسة وإصلاح ذات البين، وكان على المشاركين الآخرين من حملة شهادات الاقتصاد والقانون والاجتماع والتربية وعلم النفس والسياسة أن يستمعوا إليهم، ولا يخالفوهم، ومَن يفعل خرج عن الصراط القويم.

أنا شخصياً أجد هذا المنطق يحيرني، فحين كنا سابقاً نلجأ لخطاب علمي عصري ونستخدم مفاهيمه، مثل التنمية والتحديث والتطوير والتنوع العلمي ومنظومات الحقوق الإنسانية الحضارية، قيل لنا إن هذه مصطلحات مشروع تغريبي، وحين عدلنا عنه بحديث يتبنى مقولات خطاب إسلامي متنور دليله القرآن والسنة، ويتوافق مع روح العصر، ويحفظ المصلحة، وبأنه حيثما تكون المصلحة فثَمّ شرعُ الله، عادوا وقالوا إننا نجعل القرآن والسنة كلأً مستباحاً لكل من أراد تفسيره. لا أريد أن أدخل في جدل فقهي، لكنني سأستشهد بالحادثة التي سردتُها قبل أيام، حين خرج علينا أستاذ الشريعة في إحدى فضائياتنا يدافع عن حكم فقهي لابن قيم الجوزية، يرى أن الزوجة هي بحكم الدار المستأجَرة، إن وقع جدار منها لا يَلزم المستأجر أن يصلحه، وهكذا لا يلزم الزوج علاج زوجته ولا كفنها. وحين حاجَجَتْه إحدى الباحثات بأن هذا الحكم لا يلزم هذا العصر ولا نساءه، ووفق أقوال مفسرين آخرين، رماها بتهم الاعتزال، وأخرى مذهبية. الأستاذة الأخرى قالت في الحوار الوطني إن «الديموقراطية وحقوق المرأة» ليستا من الثوابت، أي ليستا من القرآن والسنة، ولو فصلت ماهية هذه الحقوق التي نشتغل بها لما وجدتها سوى النفقة والدية وسن الزواج ورفع الوصاية المطلقة عن المرأة، وكلها حقوق تكفلها الشرائع وتطورها المتغيرات، فهل عرفت يوماً أن الحق الإنساني يخرجك من ثوابتك، أم أن حق الإنسان هو الثوابت والأصل في الحياة. هاتان السيدتان كانتا تدّرسان منذ عشرة أعوام أن صوت المرأة عورة، وأن ذلك من ثوابت الدين، لكنهما الآن تشاركان في الحوار الوطني وفي الإذاعة، وفي «يوتيوب» تسجيلات بأصواتهما، فهل تغيّرت ثوابت الدين أم تغيرت مصالحهما؟

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.