مصر بروفة حرب الاسـتفتاء تبـدأ من الإسكندرية

وائل عبد الفتاح
وائل عبد الفتاح
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

وعشية الاستفتاء، شحذ مؤيدو الدستور «الإخواني» ومعارضوه عدّتهم لحشد التأييد الشعبي لموقفهم: جبهة الإنقاذ الوطني المعارضة حثت الناخبين على التصويت بـ«لا»، وشكلت غرف عملياتها المركزية والفرعية لمراقبة الاستفتاء، في ظل المخاوف من لجوء «الإخوان» إلى عمليات تزوير واسعة النطاق، فيما سخر التيار الإسلامي الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى للدفاع عن الدستور والهجوم على رافضيه.

- 1-
المسجد ساحة حرب.

لم يعد الأمر مجرد خيال كابوسي. بروفة الحرب انفجرت أمس داخل مسجد القائد إبراهيم وحوله، أشهر مساجد الإسكندرية. البروفة استمرت ما يقرب من عشر ساعات بدأت بخطبة الجمعة للشيخ أحمد المحلاوي الشهير بحكايته مع الرئيس الأسبق أنور السادات (أيلول العام ١٩٨١) حين وصف الرئيس الشيخ بأنه «كلب مرمي في الزنزانة» وهو ما أثار عاصفة غضب على السادات من كل التيارات السياسية التي رأت في إهانة الشيخ المحلاوي علامة على «غشم السلطة».

البروفة إذاً بدأت من المحلاوي نفسه حين قال في خطبته ان من لا يقول «نعم» في الاستفتاء على الدستور فهو آثم... وهنا اعترض المصلون، فالمسجد يقع في ميدان يمثل رمز الثورة في الإسكندرية، والثوار الذين يقفون الآن ضد «ديكتاتور الإخوان» كانوا يلتقون ضد مبارك، في المسجد نفسه، مع من اعتدوا عليهم بالتعذيب وبالضرب في المسجد اليوم. لكن المواقع تغيرت، وزملاء الثورة الأولى تحولوا إلى الضفة المواجهة واصطادوا أربعة من المعترضين وأقاموا لهم حفلة تعذيب في المسجد، وهذا ما نقل الحرب إلى الخارج... مع وصول فرق مسلحة بالسيوف والأسلحة البيضاء، وهي فرق كان ظهورها في السابق كفيلاً بإخلاء الشوارع، وهي بالفعل تعاملت كما تاريخها وقدمت استعراضها المعتاد بحرق سيارات على كورنيش الإسكندرية وإثارة الفزع بصيحات الله أكبر.

الواقع اليوم تغير، وعبر حرب الست ساعات انقلب الوضع، وانتهى استعراض الميليشيات الملتحية بالاحتماء في المسجد، وهو ما أعاد المسجد ليكون مركز الحرب، فحاصرت الآلاف المسجد مطالبة بتسليم الشيخ والميليشيات التي عذبت الثوار المعترضين... هنا فشل الأمن من موقع المفاوض مع كل الأطراف في فك حصار المسجد حتى كتابة هذه السطور، وبرغم جولات مدرعات الشرطة وهجمات ميليشيات الإخوان .... التي تحاول إعادة السيطرة وتحرير رهائن المسجد.

ـ 2 ـ
لم تكن الإسكندرية وحدها.

سبقتها شبرا ليلة أمس الأول، وعادت مع ساعات الليل المختلفة، حيث لم يتحمل أنصار الإخوان ومحمد مرسي دعاية «لا» التي تجتاح الشوارع.
المساجد بعد صلاة الجمعة كادت تنفجر بعدما كانت منصة «نعم» للدستور، وهو ما رفضه المصلون للمرة الأولى، لكن الانفجارات انتقلت إلى الشوارع، فأحرقت الجماهير في «جمهورية» المحلة صناديق، وانتقلت بحزم خفيفة إلى مدن أخرى ليكون العنف هو عنوان الاستفتاء الذي تصور المصريون انه سيكون احتفالا بالديموقراطية الوليدة، لكنه في ما يبدو سيكون شرارة ثورة ثانية ضد الطبعة الدينية من الاستبداد.
الثورة الثانية مثل الأولى يقودها الشارع الذي لا توقفه حسابات السياسيين أو ما اصطلح على تسميته بالنخبة... وميزة الثورة الثانية أن حساباتها أقل وفرزها أكبر، وهو ما جعل النخبة تزداد التصاقا بجماهير الثورة، تسير خلفها ولا توقف مساراتها المتعددة بين العنف والضغط والحشد في معركة الصناديق.

ـ 3 ـ
حرب منصات.

فرقة تبرير الدستور ظهرت تحت لافتة الجمعية التأسيسية التي من المفترض أنها في وضع «المحلولة». الفرقة كلها كانت «إخوان» وحلفها (معظمهم «إخوان» سابقون) استخدموا مقر مجلس الشورى، بينما أقامت جبهة الإنقاذ الوطني منصة سريعة للرد على فرقة التبرير التي اعتمدت الهجوم والتشكيك. وبدت الفرقة كلها منفعلة من كلمة محمد البرادعي الذي اعتبر الدستور باطلاً ولو تم الاستفتاء... هكذا بدت حرب المنصات واضحة: جماعة وحلفها الصغير في مواجهة الجميع... هل تحدث المفاجأة وتدوي «لا» كبيرة لتستمر ثورة مصر في تقديم نموذج لثورات خارج التوقعات.

النتيجة على استفتاء اليوم ليست هي الحاسمة ولا المهمة ... إنها حرب لن تنتهي بالضربة القاضية بل بالنقاط. حرب بين سلطة تبني ديكتاتوريتها ولا يهمها ان البطلان سيكون عنوان كل خطوة، ومجتمع تسري فيه روح الثورة بعد مرور عامين لاستكمال الطريق إلى دولة حرية وكرامة وعدالة اجتماعية... والرحلة وان كانت صعبة فإنها توقظ كل يوم قطاعات كانت نائمة... الرحلة تسير خلف خريطة يرسمها أدلاء كرماء دفعوا حياتهم ثمنا واكتفوا بصورة في القلوب وعلى الجدران تذكر ابتسامتها بالطريق... هؤلاء سيحملون الثورة من لعنة الاستفتاء.

نقلاً عن صحيفة "السفير"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط