.
.
.
.

الحصيلة السلبية لجهود الحل

سليمان تقي الدين

نشر في: آخر تحديث:
غادر المبعوث الأممي والعربي الأخضر الإبراهيمي دمشق كما جاءها في أول مرَّة، معلناً أن الأمور مقلقة والمخاطر كبيرة من تداعيات الأزمة . وأعلن أن مساعيه تتركز على تطبيق اتفاق جنيف في 2011 في صورة حكومة انتقالية ذات صلاحيات واسعة من دون أية تفاصيل أخرى . وكان المسؤولون السوريون قد أظهروا بروداً في التعاطي مع زيارة الإبراهيمي الذي قصد روسيا وقد سبقه إليها نائب وزير الخارجية السوري .

مازالت فكرة حكومة انتقالية تمثل كل أطياف المجتمع السوري هي المدخل الفعلي إلى أية تسوية سياسية لوقف العنف . إلاّ أن وقف العنف يحتاج أيضاً إلى موافقة جميع الأطراف وهيكلة جديدة للمسلحين الذين يفترض أنهم الجهة التي يمكن أن تضبط الأمن في بلد دبّت فيه الفوضى، ونشأت داخله ووفدت إليه كل أشكال التوترات والنزاعات . وإذا نحن توغّلنا في التفاصيل نجد أن تركيبة الحكومة وتوزيع السلطات فيها والحقائب والتوازنات السياسية والصلاحيات مسألة معقدة وتحتاج إلى وقت لترتيبها، فكيف إذا كان الإبراهيمي نفسه قد نفى أن يكون هناك اتفاق روسي - أمريكي على خطة كهذه وهو يسعى إلى ترجمتها؟ يعني ذلك أن سوريا مازالت في المشهد نفسه للنزاع، وأن أيّاً من الجهات الفاعلة في الداخل والخارج لم تصل إلى الاقتناع بالبحث عن حل سياسي، وأن دورة العنف مستمرة على الأقل لكي يحقق أي طرف ما يمثل إنجازاً يهدد فيه الطرف الآخر ويجعله يقترب من التفاوض .

ربما كان هذا الأمر ممكناً لولا أن القوى الخارجية قد تزيد من منسوب تدخلها مع النظام أو ضده ميدانياً بأشكال مختلفة، فيحصل ما يدخل سوريا في مرحلة الفرز الطائفي والتقسيم . تتسع هذه الاحتمالات خاصة مع إصرار النظام وحلفائه على حل مع النظام وليس ما يتجاوزه، بل إن بلوغ الأزمة مرحلة التهديد الفعلي بانهيار سلطة النظام في العاصمة، قد يدفع باتجاه تدخل القوى اللبنانية لرسم بعض الحدود . هذا المشهد ليس نابعاً من تخيّلات أو تكهنات، بل هو ينطلق من استنفار الفريقين اللبنانيين المنقسمين لاستقبال التطورات السورية والتعامل معها . ومن خلال تعقيد الوضع اللبناني وعدم سعي الفرقاء إلى حلول سياسية داخلية، يبدو أن لبنان مرشح ليكون البلد المقصود دائماً في المقدمة عندما يتحدث الموفد الأُممي أو القوى الدولية عن التداعيات الإقليمية .

قد لا تكون هناك مخططات دولية أو إقليمية أو محلية للتقسيم وإنشاء دول جديدة وتغيير الجغرافيا السياسية، لكن هذا لا يعني عدم ذهاب الأمور إلى تقاسم نفوذ للمناطق وفق الأرجحية الطائفية والاستعصاء بها واستخدامها وسيلة للتفاوض على الحلول النهائية التي قد تطول، كما كان شأن الأزمة اللبنانية في الحرب، أو كما هو حال العراق الذي لم يستقر بعد . هكذا يبدو المشرق العربي في مأزق كبير وتترابط مشكلاته وقضاياه وتتفاعل، وليس هناك من مناعة لأي بلد من أن يتعرض إلى الفوضى المسلحة مادام هناك مخاض عسير لولادة نظام إقليمي مركب من عدد من المصالح والإرادات .

لا يدعونا هذا الأمر إلى الاستسلام لهذا المسار من التفكك، بل يجب أن يستنهض الاهتمام على كل المستويات من أجل تدارك اتساع الفوضى . وفي هذا الإطار ليس حتمياً أن يضطر لبنان إلى الخوض في غمار تجربة نزاع مسلح مادام الوضع الداخلي لا يسمح بسيطرة أي طرف على المعادلة اللبنانية كلها، فهنا مجموعة من القوى والجماعات التي يستحيل أن تلغي إحداها الأخرى، حتى لو كانت تملك بعض عناصر القوة المتقدمة .

من هنا تبدو الحاجة ملحة إلى مبادرة وطنية أو خارجية تشجع على حوار عن صياغة النظام السياسي والسلطة بما يؤدي إلى فصل بعض المشكلات الكبرى عن الوضع الإقليمي . يتوقف الأمر طبعاً على رغبة المعسكرين في عدم الذهاب إلى الصراع الطائفي العنيف كما يدعيان . فهل من أفق لتمنيات كهذه، أو أن أوهام السيطرة قوية وتقديرات القوة مبالغة إلى حد يدعو إلى اختبارها؟

* نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.