فاتنا القطار فلا نفوّت المحطة

مازن حايك

نشر في: آخر تحديث:
ينهمك "تجار السياسة" بالانتخابات النيابية المرتقبة هذا الربيع، مبدئياً، في وقت يعرف الجميع أنه ليس بالانتخابات وحدها يحيا الإنسان في لبنان، وأن الفريق الفائز فيها لا يمكنه حكم البلد بمفرده وتغيير الأمور جذرياً، بسبب التوازنات المرتبطة بالمتغيّرات الإقليمية وموازين القوى وتحالفاتها في الداخل والخارج، والذهنية السائدة، وشروط اللعبة المبنية على الطائفية، والمذهبية، والمحاصصة، والزبائنية، والولاء للخارج، والإفساد، وصرف النفوذ، والإثراء غير المشروع...

والأهم، لأن السلطة الفعلية ليست داخل المؤسسات الدستورية أو وليدة صناديق الاقتراع، بل انها في "دولة السلاح" غير الشرعي وسطوته وسيطرته على مفاصل الحياة السياسية والتنموية في البلد. ولا حاجة الى التذكير بأن الدولة والمؤسسات لا تعمل طبيعيا، وبأن القطاعات المنتِجة والمشاريع الاعمارية والتجارية والإنمائية تعيش حال ركود وترقّب، وبأن الدورة الاقتصادية تدور بأدنى طاقتها، مرتكِزة على تحويلات المغتربين من العملات الصعبة، والودائع المصرفية، والاستثمار في العقار.

لعل أخطر ما يعانيه لبنان، بعد فقدان الجزء الأكبر من صورة الدولة وهيبتها وهرميتها ودورها وفعالية مؤسساتها، هو عودة شبح الحرب والاقتتال، والاحتقان المذهبي، والانقسام الحاد، وتَراكُم الديون والمآسي الإنسانية والخسائر المادية، واستفحال البطالة والفقر والهجرة، وفقدان ثقة المواطن بمستقبله، وتَراجُع منسوب الأمل لدى الشباب... وكذلك، اضطرار المؤسسات والأفراد إلى خفض توقّعاتهم إلى أدنى مستوى والتأقلم مع شتى أنواع المفاجآت والأخطار، مدركين أن اللبنانيين تخلّفوا عن عملية بناء المستقبل، وأضاعوا فرصة التطوّر والتنمية ومواجهة التحديّات المستقبلية ومواكبة العصر. للعبرة والدلالة، تكفي زيارة واحدة لدُبي مثلاً، لمعرفة مدى التراجع وغياب الدور وانحسار الأفق وتبدُّل نوعية الحياة في لبنان. ومن لا يصدّق ما تشاهده عيناه ويفضّل العيش بعيداً عن الواقع، فليسأل أحد "المهاجرين الجدد" من اللبنانيين في الاغتراب!

الدعوة موجهة اليوم إلى "تجار السياسة" في لبنان، كي يسافروا ويشاهدوا كيف فات شعبهم القطار، في عهدهم وبعهدتهم، هم الذين امتهنوا لعبة تفويت الفرص وخيبات الأمل على مدى الأجيال، وكي يلمسوا أيضاً كيف يتبوّأ اللبناني في الخارج أعلى المراكز التنفيذية في عالم المال والأعمال والإدارة، وفي المهن الحرّة، والتجارة والصناعة، والإعلام والإعلان، والتعليم، والصناعات الثقافية والإبداعية... والأهم، كي يعرفوا مسبقاً لماذا لا يجوز، بأي ذريعة، أن "نجرِّب المجرَّب"، ونُعيد انتخابهم في المحطة الانتخابية المقبلة، ثم نقبل إعادة تعيينهم في الحكومة الجديدة.

أيها السادة، لنعترف بأن القطار فاتنا، فلا نفوّت المحطة... في انتظار عودته مجدّداً!

*نقلاً عن "النهار" اللبنانية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.