.
.
.
.

مراجعة مسار

سليمان تقي الدين

نشر في: آخر تحديث:
قد لا تكون التوقعات «الفلكية» ولا «التنبؤات» التي شهدنا سيلاً هائلاً منها غريبة عن الواقع الذي حبلت به السنوات الماضية وتلده هذا العام. فإذا كنا رأينا بوضوح حجم الصراع الدولي والإقليمي على المنطقة، وعرفنا كل التظاهرات للصراعات العربية بين الإسلام السياسي بمختلف تياراته، فمن البديهي ان نكون في حقبة مظلمة من الحروب الأهلية.

نستطيع ان نفسر الكثير مما يجري حولنا ونفهم كيف أنتجت عقود من الركود السياسي وفشل مسارات التنمية والاحباطات الوطنية هذا المستوى من التفجّرات الشعبية وانخراط أكثرية الناس فيها. لكن المأزق الذي نعيشه هو في هيمنة ثقافة الماضي من خلال كثافة حضور المشاريع الدينية والطائفية. فمن الواضح ان الكتلة الأكبر من الجمهور انقادت في الخيار السهل خلف محرضات غير واقعية، وأكثر من ذلك انزلقت في نزاعات إلغائية تكفيرية تطال فئات واسعة من المواطنين كما تطال فئات دينية ومذهبية.

تأسس في العراق انقسام سياسي على السلطة لكنه يحمل مضامين طائفية تجعل من الغلبة فعل تناوب على الإقصاء وتستدرج موازين القوى الخارجية على تأكيد هذه السلطة. ولم يكن لبنان بعد كل تجاربه المرَّة مقنعاً لذاته وللآخرين بأن التركيز على الهويات الفئوية وثقافاتها الحصرية يؤدي حتماً إلى نفي السياسة والاحتكام إلى العنف.

فلا تستطيع جماعة طائفية حتى لو امتلكت ثقافة ليبرالية كالمسيحيين سابقاً، ان تكون محور السلطة، فكيف إذا جاءت جماعات بثقافاتها الدينية تطمح إلى مشروع كهذا مهما كانت تدّعي لنفسها من انجازات أو تزعم من مشاريع. أنتجت طائفية جماعة طائفيات وأنتجت أصولية أصوليات وانحدرنا في مستوى الصراع إلى العصبيات الدينية.

فإذا كان من الصعب سابقاً ان نفكك صلابة التضامن الطائفي فلن يكون من السهل تفكيك العصبيات الدينية.

ربما نكون تجاوزنا الحدود الخطرة لهذه الانقسامات السياسية ودخلنا في مرحلة الاحتراب الذي يتجدد في العراق ويتجذر في سوريا وندفع به بقوة في لبنان برغم كل التطمينات المزعومة حين نضيف إلى التوترات الداخلية ملاحق من التوترات الخارجية.

ولا ندري على أي مسند أو مرجع نراهن لكبح هذا المسار ما دمنا لا نجد عندنا من يسعى إلى وقفه.

ففي كل يوم يتكرر الخطاب نفسه والذرائع نفسها ونستعرض الشعارات والمفاهيم والقوى ذاتها. فلم تستوقفنا حروب طرابلس الصغيرة في جغرافيتها الكبيرة في دلالاتها، ولا الفتائل المشتعلة في صيدا، ولا حروبنا الدائرة بالواسطة على الحدود السورية وقد توغلت إلى العمق السوري بشهادة دماء سالت هناك. ولا نجد بعد مسؤولاً في السلطة وخارجها يدعو إلى مراجعة سياسية أو يستدرك ما يحصل، فجميعهم يخبروننا باستمرار أنهم على حق وان خيارهم هو الخيار الصحيح، وانهم يعملون في سبيل البلد، والبلد مهيّأ لانفجار كبير.

وفي جزء من الوقائع ان التسويات الدولية ما زالت بعيدة، والصراعات الإقليمية ما زالت على أشدها، والعنف السياسي يتجذر ويتسع في كل أرجاء المنطقة. وقد لا نجد مصادر لمعالجة مشكلات طارئة مادياً وسياسياً وأمنياً، ولم نجد من قبل ما يدعونا للتفكير بأن الاستقطاب الاجتماعي العميق والخطير للثروة والفقر صار بيئة حاضنة للعنف أو «الإرهاب» أو التطرف، واننا ننفق على «المشاريع السياسية السلطوية» الانتخابية وغيرها ما يعالج تلك المشكلات الاجتماعية لكننا لا نفعل. وهل من مسؤول توقف عند الإحصاءات الدولية التي صارت مرجعنا الوحيد الموثوق لواقع طرابلس في خارطة الفقر والبطالة الذي يتخّطى كل المعقول ويعرف ان «الحسنات والصدقات» لن تنقذها من الكارثة الاجتماعية والأمنية.



وفوق ذلك كله، كيف لمسؤول ألا يعرف ما هو شائع ومؤكد عن حجم التحضيرات الأمنية الجارية لعمل كبير تتضافر له وتستجيب كل الأطراف من أجل جغرافية سياسية متداخلة بين لبنان وسوريا. فإذا كانت كل التعبيرات الأمنية والسياسية الحاصلة لا تكفي لوقفة وطنية إنسانية شجاعة فالأرجح ان التنبيهات والتحذيرات وحتى صرخات الوجع لن تكون مؤثرة بالمستوى المطلوب.

ومن أسف لا يريد الحاكم أو المتحكّم ان يرى الأمور من حوله إلا بروح المكابرة وبروح المغامرة التي تعتقد ان القوة المادية قادرة على إخماد من يعصاها. وبدلاً من ان نكون في حالة استنفار كي نعالج مشكلة القطيعة القائمة بين اللبنانيين والهوة المتزايدة بين الحكام والمحكومين، بدأنا نتوغل في تداعيات الأزمة السورية من دون ضوابط. وتتعزز المخاوف أكثر ونحن نسمع عن خطط الفرقاء للتعامل العسكري مع أي تطور قد يؤدي إلى اختلال في ميزان القوى. فما أعجبنا حين نتحدث عن الديموقراطية وعن الانتخابات ولا نريد القوانين إلا على قياس الطوائف المسلحة وتحت سنابك خيل زعمائها.

فهل قررنا قبلاً اننا سنقترع بهدوء ونحترم إرادة المواطنين كيفما تجلّت أم اننا ما زلنا خاضعين لتشريع القوة النافية للإرادة الحرّة وخلف واجهة الديموقراطية؟ ولمن نتوجه اليوم، إلى المجتمع الدولي أو الإقليمي المتناحر على استحواذ مواردنا وخيراتنا واستقلالنا وحرياتنا، أم إلى تلك الدول والأنظمة المستعصية بالسلطة، أم إلى الحركات السياسية المأخوذة بفكرة السلطة، أم تلك التي تقودنا إلى ممالكها الموهومة بالحديد والنار؟

لعلنا أمام مسؤولية الخيار بين الاستسلام لمصير اتضحت معالمه ومخاطره وتحدياته وبين البدء في مقاومة مصادرة إرادتنا ومستقبلنا.



* نقلا عن "السفير" اللبنانية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.