.
.
.
.

فلنعد إلى القضية الفلسطينية

عطاء الله مهاجراني

نشر في: آخر تحديث:
بعد فلسطين وبعد التصويت على منح فلسطين صفة دولة «مراقب غير عضو» خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، نُشر مقال غريب في صحيفة «واشنطن بوست». وشارك في كتابة ذلك المقال ثلاثة كتاب هم غوردن سيكولو وماثيو كلارك وناثانيل بينيت. وقام غوردن سيكولو بكل ما في وسعه خلال حملة ميت رومني الانتخابية، ودعمه بقوله إن رومني سيقود أميركا نحو الطريق الصحيح. ربما يعتقد أن نتنياهو هو الآخر يسير على الطريق الصحيح، في حين يسير الفلسطينيون على الطريق الخاطئ. وهنا أود أن أقتبس الفقرة الأولى من المقال وأركز على ثلاثة أجزاء منها..

«عندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح منح (الكيان الفلسطيني) صفة دولة (مراقب غير عضو)، لم تخالف فقط القانون الدولي وعقودا من اتفاقيات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل أثارت من جديد الاضطرابات في الشرق الأوسط».. («واشنطن بوست» 2012/7/12). وكما قلت، نحن إزاء ثلاثة مزاعم في هذه الفقرة: الأول هو مخالفة القانون الدولي، والثاني هو عقود من اتفاقيات السلام، أما الثالث فهو تجدد الاضطرابات في الشرق الأوسط.

يبدو أنه ينبغي وضع الدول التسع، التي صوتت ضد منح فلسطين العضوية، في الاعتبار ودراستها، حيث لم يطرأ أي تغيير على أصوات كل من إسرائيل والولايات المتحدة وكندا، وتم استخدام خمس دول صغيرة كأدوات في أيدي الولايات المتحدة وإسرائيل. ولا يوجد أدنى شك في أن أكثرنا لا يعرف أي شيء عن جزر مارشال، ومايكرونيزيا، وناورو، وبالاو، وبنما. وهذه هي الدول التي صوتت ضد فلسطين. وأود أن أستعرض أيضا ثلاثة أمور:

الأمر الأول هو: ما هو القانون الدولي الذي يعمل ضد إرادة 138 دولة بما فيها دول مثل الصين وروسيا والهند وكل الدول العربية والإسلامية؟ ومن الذي يستطيع تفسير القانون الدولي؟ لحسن الحظ، كان خطاب محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) مثمرًا للغاية، حيث قال: «تجيء فلسطين اليوم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وهي لا تزال تُضمد جِراحها، وتواصل دفن شهدائها الأحباب من الأطفال والنساء والرجال، ضحايا العدوان الإسرائيلي، وتبحث عن بقايا حياة وسط أنقاض البيوت التي دمرتها القنابل الإسرائيلية في قطاع غزة، فأبادت عائلات بأكملها، برِجالها ونسائها وأطفالها، واغتالت ذكرياتهم وأحلامهم وآمالهم ومستقبلهم، وتوقهم لممارسة الحياة العادية، وللعيش في ظل الحرية والسلام. تجيء فلسطين اليوم إلى الجمعية العامة لأنها تؤمن بالسلام، ولأن شعبها وكما أثبتت الأيام الماضية أحوج ما يكون إليه». وتمثل رد فعل العالم تجاه إسرائيل والولايات المتحدة عبر 138 صوتا لصالح فلسطين. الأمر الثاني هو: إنه لواقع مرير أن يكون اتفاق السلام مثل كائن ميت بلا إحساس أو دماء. ويقول دانتي: «إنها لمرارة»، فالموت نفسه يختلف بالكاد عن اتفاق السلام المزعوم، الذي كان مجرد لعبة صُنعت من أجل الفلسطينيين تتلاعب فيها إسرائيل بالقواعد طوال الوقت. من ذا الذي ينسى مؤتمر أنابوليس الذي عُقد في 27 نوفمبر عام 2007؟ من ذا الذي ينسى وعود جورج بوش؟

كان مؤتمر أنابوليس يمثل المرة الأولى التي يشارك فيها الطرفان الإسرائيلي والفلسطيني في مؤتمر وهما يؤمنان بأن اتفاق السلام النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا بد أن يكون قائما على حل الدولتين. إضافة إلى ذلك، كان هناك وقت محدد لإطلاق المفاوضات.

لم ترفض إسرائيل نتائج المؤتمر فحسب، بل أصرّت على حق إسرائيل في أن تعيش بأمان. واستنادا إلى تفسيرهم الغريب، توصلوا إلى استنتاج هو أنه على إسرائيل إقامة قواعد عسكرية في الضفة الغربية وفي غزة، وأن القدس هي العاصمة التاريخية لإسرائيل، وينبغي أن يتم حل قضية اللاجئين الفلسطينيين خارج إسرائيل.

لقد كان نتنياهو صريحا جدا في خطابه خلال جلسة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ. وكان الحضور يصفقون تحية لنتنياهو على كل جملة ينطقها. ولا يمكنني أن أنسى حديثي مع الشيخ عبد العزيز عودة في طهران، وكان ذلك بعد نحو أسبوعين من مؤتمر مدريد في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1991. لقد كان يمثل الجهاد الإسلامي المشارك في مؤتمر فلسطين في طهران. وكان مهدي كروبي، رئيس البرلمان الإيراني آنذاك، هو المسؤول عن تنظيم المؤتمر. وسألت الشيخ عبد العزيز عن رأيه في مؤتمر مدريد.

ابتسم الشيخ وتطلع في عيني وقال إنه ضرب من المحال.. «فإسرائيل لا تؤمن بحقوقنا كأمة وكدولة». وقال: «أريد أن أروي لك قصة». وقال لي إنه عندما أمر الله بني إسرائيل بالتضحية ببقرة، بدأوا يتفاوضون مع الله. وقد أورد القرآن نص حديثهم. وقيل إنهم قضوا سنوات طويلة في التفاوض على التضحية بالبقرة. لقد كانت القضية هي البقرة، وعلى الجانب الآخر يقف الرب، وكان الوسيط هو سيدنا موسى. الآن القضية هي فلسطين، والطرف الآخر هو منظمة التحرير الفلسطينية والفلسطينيون، أما الوسيط فهو الولايات المتحدة الأميركية. من يستطيع أن يصدق أن إسرائيل سوف تخضع لحقوق الفلسطينيين؟ إنهم يتلاعبون بالكلمات والوقت والفلسطينيين. وبمرور الأيام إسرائيل تقوي جذورها وتقتلع حقوق الفلسطينيين من هذه الأرض. على سبيل المثال، بعد التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو عن آرائه بصراحة. وقال: «لا يهم عدد الذين صوتوا ضدنا، فلا توجد قوة على وجه الأرض يمكن أن تضطرني إلى المساومة على أمن إسرائيل. ولا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع قطع علاقة عمرها آلاف السنوات تربط بين شعب إسرائيل وأرضه». وأكد نتنياهو أن القرار لن يغير أي شيء على الأرض، ولن يقيم دولة فلسطينية، بل سيبعدها أكثر عن المنال.

الأمر الثالث، ما هو السبب الرئيسي لعدم استقرار الشرق الأوسط؟ هل هو الفلسطينيون أم إسرائيل؟

مع الأسف ركزنا نحن المسلمين خلال العقود الثلاثة الماضية على القضايا الخاطئة مثل الحرب العراقية - الإيرانية، وغزو الكويت، وظهور حركة طالبان و«القاعدة» وما إلى ذلك، ونسينا فلسطين والفلسطينيين، رغم أنها القضية الأساسية في المنطقة وفي العالم الإسلامي. ويبدو لي أن علينا خلال عام 2013 أن نركز على فلسطين بصفتها دولة مستقلة حقيقية في الشرق الأوسط.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.