.
.
.
.

ثلج على الحدود

حسين درويش

نشر في: آخر تحديث:
عندما يتساقط الثلج كان الناس يشدون رحالهم نحو الساحات والحدائق لالتقاط الصور والتراشق بكرات بيضاء تذوب قبل وصولها إلى هدفها، وكان الأطفال يسارعون إلى بناء رجل الثلج ويضعون على رأسه قبعة صوفية وحول عنقه يلفون وشاحاً أحمر ويثبتون جزرة في وجهه ليصبح أيقونة البرد لشتاء قارس يلف المكان لكنه لا يصل إلى القلوب الدافئة .. قلوب الصغار.

هؤلاء الصغار اليوم يقتلهم الثلج وهم في مخيمات اللجوء على حدود وطنهم. لا دفء في خيامهم ولا صوف يرسل الدماء إلى أطرافهم، أطفال حرموا من مقاعد المدرسة وهُجّروا من أَسرّتهم. تذوب أحلامهم في الطين الذي يحيط بخيامهم وتتساقط أيامهم مثل شجر غادره اخضراره، أو مثل أغصان ذوت تحت فؤوس الباحثين عن الدفء.

لم يمر في بالي أن ثلج الذكريات (ذكريات طفولتي) شمال سوريا سيكون له هذه القسوة على أطفال اليوم، وأمام بصر العالم وسمعه يدرج طفل صغير باتجاه خيمة تقطر منها المياه تحمل شعاراً كبيراً للأمم المتحدة يرتدي أسمالاً لا تصنف في لونها وشكلها وتلاحقه كاميرا التلفزيون، تلك الصورة التي كانت محجوبة ذات يوم، الآن أٌقوى من أزيز الرصاص، صورة تلو صورة تصدم الضمائر النائمة.

لقد عَرّت العاصفة الثلجية التي ضربت مخيمات لجوء السوريين في دول الجوار رخاوة العالم في إنهاء الأزمة، ووضعت أمام الضمائر قسوة اللامبالاة، تلك السياسة التي لا تُصرف في أي ضمير إنساني ولا تقبلها أخلاق أحد. ها هي اليوم المأساة السورية في أقسى فصولها تنادي .. فمن يسمع ومن يستجيب؟


*نقلاً عن "البيان" الإماراتية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.