.
.
.
.

في الذكرى الثانية للثورة كيـف نفهـم ما يجـري؟

الفضل شلق

نشر في: آخر تحديث:
تحتاج الإمبريالية إلى حرب عالمية. يحتاج العرب إلى ثورة يقاومون بها الحرب. تحتاج الإمبريالية إلى أسماء مختلفة لتبرير حربها: الأولى ضد إمبراطوريات المحور من أجل حقوق الإنسان وحق تقرير المصير؛ والثانية ضد النازية والعنصرية، الثالثة ضد الشيوعية، الرابعة ضد الإرهاب؛ ضدنا وحدنا كعرب مع بعض الشعوب الإسلامية المحيطة.

الإمبريالية سيطرة بأسماء مختلفة. مهما اختلفت الأسماء، إلا أنها سيطرة شعب (شعوب) متقدمة قادرة تدير العالم، على شعوب فاقدة القوة والحيل. تحدث الثورة ضد إدارة العالم، ومن أجل الحرية؛ كلاهما واحد. يقرر الجالسون في مجلس الأمن مهاجمة شعب وتفكيك دولته فيكلفون أحدهم بشن الحرب (بالطبع ضد الإرهاب، والإرهاب عادة إسلام متطرف، ومع حقوق الإنسان) ضد شعب لم يألف بعد الدولة الحديثة التي ألقيت على كاهله بعد ثورات التحرر الوطني. يتفكك الشعب المغلوب. يقال إنه هو الملوم، فلا يستحق الاستقلال. أفغانستان، العراق، ليبيا، سوريا، مالي، الصومال، والحبل على الجرار. لا همّ إذا كان الشعب المصاب بالجنون إرهابياً، آوى الإرهاب أم لا. هناك شعوب آوت الإرهاب ودعمته، وهي في منأى عن الهجوم. هناك شعوب يدعم الغرب العصاة فيها، وهناك شعوب يدعم الغرب رؤساءها الطغاة ضد ثوارها الميامين.

أُطلق على الإمبريالية لقب جديد هو العولمة. تغيّرت الأسماء والمحتوى واحد، نسبة التجارة الدولية إلى الإنتاج العالمي 14%، وهي لا تقل عما كانت عليه قبل 1914. انطلقت الدول الإمبريالية من مؤتمر برلين في 1884 لتقاسم العالم فيما بينها. تنطلق الحروب الراهنة من مجلس الأمن. يريد حكّام العالم إثبات سلطتهم، بالتدخل برياً وجوياً وبحرياً، هنا وهناك، ولأسباب نبيلة دائماً. أما كيف ترتبط الإمبريالية بالعنصرية وتتأسس عليها. فهذا أمر مطموس. ألم ينتخب الأميركيون رئيساً أسود اللون في وقت يُتهم العرب والمسلمون بالإرهاب؟!

أما تناقضات الإمبريالية ونفاقها المزمن فأمر مسكوت عنه. في الهند سلاح نووي تدعمه الولايات المتحدة. في الباكستان سلاح نووي مسكوت عنه، غير أن الإرهاب الإسلامي فيها غير مسكوت عنه. في إيران سلاح نووي مزعوم غير مسكوت عنه. وفي إسرائيل سلاح نووي قدمته فرنسا على أيام حكومة اشتراكية فهو مسكوت عنه. في مالي، وبلاد أفريقيا السوداء المحيطة بها، يورانيوم وكثير من المعادن الأخرى، فهو ضروري من أجل السلاح النووي. لذلك لا يسكت عن «إرهابيين» إسلاميين. لا نعرف الكثير عنهم؛ لكن السكوت عنهم ممنوع.

في العالم «المعولم» أزمة مالية واقتصادية خانقة. الأزمة المالية سببها أن مصارف الدول الإمبريالية تسرق العالم. والأزمة الاقتصادية سببها أن الإنتاج ينتقل من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية إلى الشرق الآسيوي. الشرق يصعد ثانية، كما هو عنوان أحد الكتب المهمة الأميركية. توافر المدخرات لدى الآسيويين نتيجة عملهم (ذوي الأجور الرخيصة) يراكم الأموال لديهم. هم مضطرون إلى تمويل الدول الغربية التي ترزح تحت الديون الآتية من آسيا. تحتاج آسيا كما أفريقيا إلى محاسبة بالقوة. يحاسَبُ الضعيف لا القوي، لأن محاسبته أقل كلفة. تدمَّر أفغانستان ومالي والصومال والعراق وليبيا، وغيرها؛ لا همّ. الحرب ضد الإرهاب هي من أجل حقوق الإنسان، من أجلنا، من أجل الإنسانية. لا يفعل الغرب الإمبريالي شيئاً إلا من أجل الإنسانية أو من هم دونها. نحن العرب دون الإنسانية، ألسنا بيئة حاضنة للإرهاب الإسلامي؟ بعض قادتنا يستعملون تعبير البيئة الحاضنة. كأن وجود الإسلام كاف كي يولد الإرهاب.

العرب أمة دون دولة. لهم دول غير شرعية، لأنها لا تنال رضى شعوبها. لا تتأتى الشرعية إلا من رضى الناس. وُضعت إسرائيل في قلب أمتهم كي يطير عقلهم ويضيع وعيهم. حدث ذلك. ثم جيء بالاستبداد كي يحبوا إسرائيل. لكنهم، أي العرب، لا يستطيعون حب أسيادهم، الغرب وإسرائيل، إذن يعاقَبوا بالاستبداد. تنشب ثورات بعد أن طفح الكيل. يأتي الإخوان المسلمون في مصر كي يحولوا المسلمين إلى إسلام آخر (أكثر اعتدالاً؟). رجل المخابرات الذي يحصي أنفاس الناس يتخذ اسماً آخر إكراماً للدين. تستمر الثورة. لم يعد العرب يطيقون ما يفرض عليهم. لا يطيقون سياسات تطبق عليهم دون إرادتهم. إرادتهم هي ما يتم تجاهله في كل ذلك. عليهم أن يتعلموا من تركيا نموذجاً يجمع الإسلام والعلمانية، ومن إيران إيجاد دولة موازية. يظن الأتراك وهم قاعدة أطلسية أنهم دولة شبه عظمى، ويسرون لذلك. يظن الإيرانيون أنهم دولة شبه عظمى لمواجهتها الغرب بصلابة، ويسرون بذلك. العرب لا يعرفون ماذا يفعلون بثورتهم. من الواجب تشتيت الثورة بواسطة الثورة المضادة، أي بواسطة ليبرالية جديدة مع مسميات جديدة، وتضطر مصر إلى رهن موجوداتها، بما فيها قناة السويس، تطبيقاً لسياسة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وسعياً للمساعدات العربية، التي لا تأتي إلا بموافقتهما. ويسمون ذلك إسلاماً معتدلاً. يكفي أن تحب إسرائيل وتبيع موجوداتك لتصير معتدلاً في هذا النظام الإمبريالي الدولي.

الثورة العربية، التي انطلقت في 2011 انتشرت في كل مكان عربي في وقت واحد. يبدو أن للعرب إرادة واحدة. يجب أن لا تترجم هذه الإرادة الواحدة سياسياً. الوحدة، وأفضل وحدة هي الفيدرالية، تجعل العرب أقوياء، أو تعطيهم شعوراً بالمعنى. وهو ما يجب أن لا يحدث. في بلاد العرب نفط كثير. إذن، على الإرهاب أن يكون كثيراً. إذا كانت التسويات الدولية ناشطة حول الدول العربية من أجل النفط، فعلى الإرهاب أن يكون محيطاً بهم، مع إمكانية عودته للتسلل إليهم. إذن مالي تكون مسرح حرب.

شاركت المرأة العربية في الثورة بكثافة غير مسبوقة في التاريخ؛ وأطلق الثورة جيل من الشباب الذين ما أفاقوا على الحياة إلا ورأوا أنهم وشهاداتهم العلمية لا قيمة لها؛ فهم مهمشون منذ الولادة. شارك العمال بكثرة في الثورة، وهي بدأت من عندهم. شاركت أكثرية الشعوب العربية، ومنها الطبقة الوسطى المتلاشية، بالثورة. صار واضحاً أن العرب ليسوا بيئة إلا لشيء واحد هو إرادة الحرية. ليس الأمر مهماً. تستمر الحرب على الإرهاب. تستمر محاصرة العرب بحرب الإرهاب وحرب إسرائيل.

ويستمر مثقفون عرب في حيرتهم. هل هي ثورة أم انتفاضة أم شيء آخر. يا للهول، لا تنطبق الثورة على أفكارنا وعلى النماذج التي تعلمناها في الكتب؛ في كتب الغرب طبعاً. ما زلنا نبحث في كيف حدث الأمر، وما هي الجذور. نعود إلى سلفية الإسلاميين. نبحث عن الجذور، ولا ننظر إلى النهايات، إلى الأهداف والغايات ومآلات التطور.

النظرية فكر. الثورة مشاعر. على الفكر أن يتبع المشاعر. المشاعر هي الوجود. الوجود أهم من أفكار متغيرة متطورة محتالة. الأفكار تتملص من أصحابها، أو يتملص أصحابها منها. أما الوجود فهو يقرر ما عداه. الوجود العربي ارتقى من مرحلة إلى أخرى؛ من القبول، من الانصياع لرجل المخابرات، إلى الرفض، إلى إرادة العيش الكريم. الكرامة عزيزة. ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. ينشد العرب الثائرون الكرامة، وعن طريق الكرامة عيشاً كريما. ألا يكفي ذلك؟ ربما لا. قائل ذلك يتهم بالرومانسية والفوضوية. أليست الثورة، كل ثورة، خروجاً على القانون؟ وهل بالإمكان أن تكون الثورة دون بعض الفوضوية؟

تنشأ سلطات جديدة بعد الثورة. تحكم بالقانون. القانون قيد من نوع آخر. لا بد من الخضوع للقانون. لا بد من الخضوع مرة أخرى، وإلا يكون الأمر خروجاً على المدنية. مهمة النظام العالمي فرض المدنية. أليس ذلك جوهر الإمبريالية؟
لا همّ إذا كانت هناك سلطة جديدة. الجمهور تحرر، تحرر من خوفه، تحرر من الرقيب. التحرر هو مسار الإنسانية الحقة. العرب يتحررون والثورة مستمرة. وفي ذلك فائدة للعالم.

نقلاً عن صحيفة "السفير"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.