.
.
.
.

وزير الداخلية السعودي في واشنطن

قينان الغامدي

نشر في: آخر تحديث:
الاتصال والتواصل مع الآخر عبر مترجم يختلف كثيراً عن التواصل والاتصال معه عبر اللغة نفسها، وقد جربت الحالين، فقبل عام 2007، كنت أستطيع أن أتحدث نحو عشرين جملة إنجليزية، في المطارات الأجنبية والمطاعم ونحوها، وبعد البعثة التي استمرت نحو ثلاث سنوات متقطعة، اكتشفت أن ثلاثة أرباع ما كنت أعرف كان خطأً، وأصبحت بفضل الله، ثم بفضل الدكتور خالد العنقري وزير التعليم العالي، والصديق عبدالله الناصر الملحق الثقافي السابق في بريطانيا، وعضو الشورى الآن، وبضع معلمات إنجليزيات فاضلات، أصبحت قادراً على التواصل والتوصيل مع «الخواجات» بصورة معقولة، بصورة تنسجم مع السنِّ، حيث «التعليمُ في الكِبَر كالنَّقْش في البَحْر».

كل هذه المقدمة، التي سيهاجمني البعض عليها كالمعتاد، كتبتها من وحي متابعتي لزيارة وزير الداخلية، الأمير محمد بن نايف لأمريكا، ولقاءاته مع الرئيس ووزير الخارجية، وكبار المسؤولين الأمريكيين، وأنا هنا لا أعلق على ما أسفرت عنه الزيارة من اتفاقيات وبيانات، وإنما أكتب عن الزائر وكفاءته، فقد كان يدير حواراته معهم دون مترجم، وقبل أن «ينطَّ» أحدُهم الآنَ ويقول ساخراً: تريد أن تقول لنا إن الأمير محمد يتقن «الإنجليزية»؟، أقول: إن حكاية «دون مترجم» هذه – في نظري على الأقل – هي المِدْمَاك الأساسي والأخطر في اللقاءات والحوارات كلها؛ فهي لا تمنح الأمير قوة في فهم ما يدور، وتعطيه القدرة والقوة على الحوار والتفاوض فقط، بل تزيد مكانة المملكة عزةً ورفعةً وثِقَلاً؛ فالأمير هناك لا يمثل نفسَه فقط، وإنما يمثل وطناً وشعباً بأكمله، ويقدم صورةً وتصوراً عنهما في أذهان الأمريكان.

وليس هذا فحسب، بل إن «محمد بن نايف» بفضل اللغة التي لديه، يستطيع أن يتفاهم، ويشرح مواقف المملكة «الأمنية وغير الأمنية»، بدون وسيط «مترجم»، والأمير – كما أعرف – ليس كفئاً في اللغة فقط، فاللغة من أدواته، ولكنه كفءٌ حقيقيٌّ في فنه الأمني، والسياسي، فهو بحكم مسؤوليته الأمنية، يعرف طموحات وتفكير وأوجاع الناس، وستقولون: «يقرأ النيات»؟، وأقول: لا يقرأ النيات، وإنما يقرأ الوقائع والسلوكيات والكلمات، وهو «كوزير داخلية» يقرأها في سياقها الطبيعي اجتماعياً وسياسياً، وهو لهذا السبب يستطيع قراءة «الأمريكان، والأوروبيِّين، والعرب» وغيرهم، ومن أجل هذا أعتقد أن أي مسؤول أمريكي تباحث معه أخذ انطباعاً حسناً عن الأمير والمملكة.

لقد اعتاد الأمريكان خلال عقود على الأمير بندر بن سلطان رئيس الاستخبارات، وأمين عام مجلس الأمن الوطني، وهو – لا شك – كفء، ورجل دولة واستخبارات، ومثقف عميق، وله حضور لا تملكه الكثرة الكاثرة من الدبلوماسيِّين والسياسيِّين والمسؤولين، ليس في المملكة فقط، بل في العالم كله، لكن تعيين عادل الجبير – وهو كفء ووطني ورائع – بعده، أوحى لبعض الأمريكان، سواء كانوا مسؤولين أو مراقبين، أن الأسرة المالكة ليس في كِنَانتِها أحد بمستوى السفير السابق، الأمير بندر بن سلطان، فالتفتت للمواطنين، وعيَّنت عادل الجبير.

طبعاً كثيرون من الأمريكان – حتى الآن – لا يعلمون أننا في السعودية جميعاً، بما فينا «الأسرة المالكة»، نتعامل فيما بيننا على أساس أننا جميعاً «مواطنون»، ولا فرق عندنا بين بندر وعادل، إلاّ بالتأهيل والكفاءة والإخلاص، ولكن الأمريكان، وغيرهم معذورون؛ لأننا في المملكة – والأسرة المالكة قدوتُنا- نخبِّئ كفاءاتنا، ولا أدري لماذا نخبئها؟، مع أن الوطن هو الذي سهَّل لهذه الكفاءات سبل التعليم والتأهيل الراقي بمالنا، وجهدنا، لكنها – هذه الكفاءات – عندما جُهِّزت، لم تُعطَ فرصة البروز، ولا تقديم نفسها، فكيف نلوم الأمريكان وغيرهم حين يظنون أننا ليس لدينا سوى « بندر» من الأسرة المالكة، وسوى «الجبير» من المواطنين؟، هم – أقصد الأمريكان وغيرهم – ليسوا ملومين، نحن الملومون، نحن لدينا في الأسرة المالكة عشرات – أعرفهم – من أمثال الأمير محمد بن نايف، وهو أجدرهم الآن وأكثرهم كفاءة، وقدرة وخبرة في ميدان وزارة الداخلية، ونحن لدينا في الوطن عشرات بل مئات من أمثال «عادل الجبير»، وهو لا شك جدير بمنصبه وكفاءته، لا نقاش حولها، والأدلة عليها تترى.

ما أريد قوله إن الانطباع العام الذي يتكون خارجياً عن أي وضعٍ سلبي، لابد أن نتيقن أننا نحن السبب فيه، وليس من يتكون لديه الانطباع السلبي.

بلادنا قادرة أن تفعل أشياء كثيرة جميلة، فوق ما فعلته من تنمية وتطور وتقدم وحضور محلي ودولي، لكننا نتردد كثيراً، ونبطئ أكثر من اللازم في الحضور، فيتكون هذا الانطباع الذي نحتاج دهراً لدحضه وإقناع الآخرين بعكسه، بينما حضور رجل واحد مثل «محمد بن نايف» يغيِّر انطباع شعب ودولة، ودخول ثلاثين امرأة – إذا استبعدنا شروط دخولهن وخروجهن وجلوسهن- يغيِّر انطباع أمم الأرض التي لا تعرف «السعودية» أو لديها صورة مشوَّهةٌ عنها.

منذ أيام، وعندما أصدر الملك أوامره الكريمة بتعيين أمير الشرقية وأمير المدينة، الجديدين، استبشرت خيراً، وشعرت أن قيادة المملكة بدأت أولى خطوات الإصلاح السياسي الذي نتطلع إليه، والذي كان تعيين وزير الداخلية أولَ مؤشراتِه، وأنها بدأت في النظر إلى الكفاءة بجديَّة واهتمام، بغض النظر عن «العمر» في الأسرة المالكة؛ فالجيل الثاني والثالث من أحفاد الملك عبدالعزيز – رحمه الله- لابد أن يأخذوا دورهم، وغالبية من أعرفه منهم أكفاء، تعليمياً وقيادياً، فقد درسوا وتعلموا في أرقى الجامعات، وأرجو أن أرى هؤلاء الشباب الرائعين أمراء مناطق، ومحافظين، ومسؤولين في قطاعات أخرى، تحت نظر وتوجيه الأكبر سناً وخبرة، ومثل ذلك أتطلع أن يتحقق للكفاءات الهائلة العدد من المواطنين بآليات حديثة وحضارية، سبق أن أشرتُ إليها في مقال سابق بعنوان «عالمنا «الأول» الذي أحلم به: وطن يستحق الحُب والفخر»، الذي نُشر في يوم الجمعة بتاريخ 21/ 12/ 2012م.

وهنا سأُورد قصة لا أعرف مدى صحتِها، لكنها ذات دلالة في هذا المقام، فمن المعلوم أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان شديدَ الحُبِّ لأخيه زيد بن الخطاب، فلما قُتل زيدٌ دخل القاتلُ الإسلامَ ليعصم دمه،
فقال له عمر بن الخطاب: والله إني أكرهُك كراهية الأرض للدم المسفوح.
فقال له الرجل: أيمنعني هذا حقاً من حقوق الإسلام؟
فقال له عمر: لا
فقال الرجل : إذن لاضير… «إنَّما يَبْكِي عَلَى الحُبِّ النِّسَاءُ».
أرجو أن تعتمدَ «بلادُنا العظيمةُ» معيارَ الكفاءة الحقيقيَّة في الأسرة المالكة، وفي المواطنين، وأن يكون لها أجهزتُها المتطورة التي تراقبُ، وتقيِّم، وتحاسب، وتقول لمتعمِّد التقصير والإهمال، والفاسد: قف. أيها المواطنون الكرام، هذا هو، وهذه عقوبته؛ وفق الشرع والقانون.

* نقلا عن "الشرق" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.