.
.
.
.

السعوديون في إجازة

بدرية البشر

نشر في: آخر تحديث:
قالت لي شابة ألمانية التقيتها في برلين - كانت تتحدث بالعربية على طريقة أهل تونس- إنها لا تحب أن تقضي الإجازات على طريقة الألمان. فسألتها وكيف يقضي الألمان إجازاتهم؟ قالت يستلقون تحت الشمس، ولا يفعلون شيئاً غير هذا. فهم يفتقدون الشمس طوال العام، وبرد ألمانيا قاسٍ، وحين يعودون وجلودهم قد دبغت من الشمس وتغيّر لونها، فإنهم يتباهون بهذا كمن يتباهى بإحضاره حقائب ملأى بشتى أنواع البضائع.

أما الإماراتيون فمعظم من أقابلهم قبل الإجازة وأسأل أحدهم أين ستقضي إجازتك؟ يقول «رايح عُمرة»، وقد قابلت سيدة ذهبت للحج 11عاماً متواصلة، وحين سألتها عن السبب قالت: «وايد مكة حلوة». ولقد عرفت أن كل شعب لديه طريقته في قضاء إجازته بالبحث المسرف عما يفتقده هو أو ما هو بعيد عن متناوله في أيام العام العادية، وقد راعني أن اكتشفت ماذا يفتقد السعوديون، وعن ماذا يفتشون، فهم في كل إجازة خارج البلاد يفتشون عن بعضهم بعضاً، حتى باتت بعض الأماكن تشتهر بهم دون غيرهم، ومرة في بيروت قالت لي إحدى العاملات: «هل ذهبت إلى وسط البلد؟»، فأجبت: «لا»، وسألتها:«لماذا؟»، فردت: «ستظنين أنك في بلادك». ومرة سألت أحد هؤلاء السياح عن سبب هذه الظاهرة فقال لي: «في بلادنا لا توجد حياة عامة في الشارع، فلا يرى بعضنا بعضاً في المقاهي والأماكن العامة، ونساؤنا بعيدات عن الشارع، فيبدو الأمر وكأننا نعيش مع بعضنا في غرفة من دون ضوء.

نعرف أن هناك من يعيش معنا لكننا لا نراه، وحين يخرج السعوديون لهذه الحياة المكشوفة فإن أول شيء يرغبون في كشفه هو من هم الذين يعيشون معهم في المكان نفسه».



إنها مسألة فضول لا غير، وهذه الظاهرة تتركز أكثر بين النساء والمراهقين، وقد رسم الفنان السعودي محمد الخنيفر كاريكاتيراً لامرأة عادت من إجازتها فسألوها عن حصيلة ما رأت من معالم باريس فقالت: «رأيت حصة ومنيرة ومشاعل ونورة».



هذه الأيام يتجمع السعوديون في دبي في إجازة، وغالباً يكثرون في المراكز التجارية الفاخرة التي يطلق عليها «المولات»، وفي مولات دبي يقضي السعوديون معظم وقتهم تقريباً، ففي المول يجدون كل المرافق من سينما ودكاكين ومطاعم وصالات لعب للأطفال وحتى حلبة التزلج على الجليد الاصطناعي، ويتواعدون زرافات ووحداناً ويقابلون بعضهم بعضاً كي يعودوا بحكايات ومبالغات، أهمها أن دبي مليئة بالبارات والنساء العاريات وليس باللهو البريء كما عاشوه هم.



اكتشفت أيضاً أن السعوديين يحبون السينما، ربما أيضاً لأنها ممنوعة في بلادهم، فحين ذهبت مع زوجي لأشاهد الفيلم الفائز بجائزة «الغلولدن غلوب»، وكنت أظن أنني سأجد الصالة فارغة لأنه ينتهي في ساعة متأخرة هي ١١ ليلاً، لكن ما أن أضيئت القاعة بعد الفيلم حتى شاهدت نساء بنقاب وشباباً سعودياً ببناطيل قصيرة يخرجون منها. ومثلما يحب السعوديون الفرجة والسينما فإنهم أيضاً يحبون السهر المتأخر، حتى أن دبي أعلنت ولمناسبة قدوم السعوديين إليها في إجازة الربيع أنها ستفتح المراكز التجارية 24 ساعة، ولولا معرفتها بأنها ستجد رواداً لما غامرت بتشغيل مراكزها طوال اليوم.



يحب السعوديون السهر، وهي ظاهرة صار البعض يتخذ منها نمط حياة فيقلبون وقتهم، ينامون في النهار ويصحون في الليل، وهكذا إما أن يبقى الأولاد أطول فترة بعيداً عن رقابة العائلة، أو أن العائلة توحّد النظام فتسهر معهم، وأصبح من الطبيعي أن تشاهد أطفالاً في الثالثة من العمر مستيقظين حتى الثانية فجراً. ما أن تنتهي هذه الإجازة المنفلتة بلا عقال والتي لم تسفر إلا عن دمار شامل للمال والانضباط، حتى يرفع أبناؤك في وجهك شعارهم الدائم طوال العام «طفش، طفش».


نقلاً لـ صحيفة "الحياة"
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.