عندك صك
أتحدث من تجربة شخصية عن معاناة آلاف المواطنين مع قطاعات حكومية بعينها جعلت من حياة الناس أكثر صعوبة في التملك والسكن والعيش الكريم، وعلى رأسها لجنة التعديات التي مهمتها في الأساس حماية أراضي الدولة من جشع البعض الذي تجاوز الحاجة الملحة في السكن إلى احتلال مساحات شاسعة من الأراضي دون وجه حق.
ما تقدم يدفعني إلى التأكيد على نقطة مهمة وهي أن الوطن الذي تتجاوز مساحته مليوني كيلومتر مربع يتسع للجميع، وأن المواطنين كانوا منذ قيام الدولة جزءا من هذه الأرض، وليسوا بشيء جديد عليها، فلماذا إذاً يتم التعامل معهم وكأنهم معتدون على الأراضي التي سكنوها هم وآباؤهم وأجدادهم من قبلهم ؟!
لقد شهدت عدة مناطق من المملكة مواجهات بين مواطنين وموظفي لجان التعديات التي جعلت من جرافاتها سيفا مسلطا على رقاب المواطنين دون أن يكون هناك حس بمعاناة هذا المواطن القروي الذي اقتطع جزءا يسيرا من الأرض بعيدا عن مشاريع الدولة ونطاقها الخدماتي لكي يبني غرفة لابنه المتزوج حديثاً، أو يضيف أخرى ليستوعب نمو أسرته، ولكنه لن يستطيع مهما استعطف وتمنى أن يمنع تلك الجرافات من هدم هذه الامتار البسيطة لأنه تعدى على أراضي الدولة وكأنه مواطن من دولة أخرى!
أنا هنا لا أنتقد أفرادا بعينهم فهم أشخاص يؤدون دورهم، ولكني أنتقد القانون الذي شرع لهم ذلك دون أن يأخذ في الاعتبار احتياجات ومعاناة الناس الذين يتعاملون معهم. مواطنون ومنذ نحو سبعين سنة لم تكلف البلديات نفسها مسؤولية تشجيعهم على الانتقال إلى تجمعات سكنية أكثر تنظيما، أو على الأقل إرشادهم إلى الطرق السليمة من أجل إثبات ملكيتهم للأراضي التي يعيشون عليها، وتأتي الآن ومع الامتداد والتطور العمراني لتعاملهم بتجاهل وكأنهم لايملكون أي حق في الأراضي التي كانت ولازالت جزءا منهم، حتى إنها لاتشملهم بأي خطط تنموية وكأنهم معتدون غاصبون، فقط لأنهم لايملكون صكوكاً تثبت ملكيتهم لتلك الأراضي.
ولهذه الصكوك قصة أخرى فإن الحصول عليها يتطلب صبرا طويلا يمتد لسنوات وزيارات لاتنتهي لعشرات الدوائر الحكومية دون جدوى حتى إن البعض بدل أن يورث لابنائه أرضاً يسكنونها يورثهم معاملات وملفات لاستكمال مسيرة المراجعات .
أحد الأشخاص الذين أعرفهم شخصيا وبعد أشهر من اللف والدوران على المحاكم والامانات والبلديات ولجان التعديات .. الخ، رد عليه أحد الموظفين بالقول بأن أرضك داخلة في نطاق الثروة المعدنية وبالتالي فإنك لن تستطيع الحصول على ما يثبت ملكيتك لها مهما راجعت!
آخر باع أرضه بخمسين ألف ريال بعد أن يئس من تحويل الحجج والوثائق التي كانت تثبت ملكيته للأرض إلى صك شرعي، ليتفاجأ بأن من اشتراها باعها للدولة بالملايين، لأنه اشتراها مدركا بأنها ستكون مساراً لطريق سريع أو مقرا لمركز حكومي جديد، وهو يملك من العلاقات ما يجعله يحصل على صك عليها دون عناء أو تعقيد!
في الأخير.. سؤال يحيرني : إذا كنت لا تمتلك منزلا، ولا منحة أرض، ولا قرضاً سكنياً، ولا حقاً في الأرض التي ولدت وتربيت فيها، فإلى أين ولمن ستذهب ؟
سؤال أتمنى ألا يضيع كغيره من الاسئلة .
*نقلاً عن "الرياض"