أيتهـــا المعارضـــة تمــــردي ولاتســـــتكيني

نوال السعداوي
نوال السعداوي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لن ينقذ مصر اليوم إلا معارضة ثورية شجاعة قوية مبدعة إلي حد الجنون‏,‏ والجنون هنا لايعني إلا قمة العقل والعبقرية‏,‏ إن النظام الحاكم الذي يجعل من العبقرية جنونا أو هيستيريا‏,‏ لان العبقرية في الاساس احتجاج صاخب وثورة جذرية علي المجتمع والنظام الحاكم‏.‏

هذا النظام الذي يستشري فيه الظلم والفساد والكذب والخيانة والنهب والقتل والسحل والتعذيب, التي تتم تحت اسماء براقة خادعة مثل الدستور والقانون, والديمقراطية والضمير وحب الله والوطن والرئيس والجماعة أو الحزب والعشيرة تتمتع الثورة أو العبقرية بالوعي الحاد والبصيرة النفاذة والارادة القوية والثقة بالنفس, لهذا تصبح بالضرورة عدوا لدودا للنظام الحاكم, فيوصمها بالجنون أو المرض أو الهيستيريا لكن الثورة العبقرية والمعارضة الحقيقية لاتهتم بالشائعات والتهديدات لانها تفضل ان يصمها الاخرون بكل الموبقات عن ان تتخلي عن افكارها ومبادئها الاساسية الحرية والعدالة والكرامة تحاول النخب المصرية التي تربت في حضن السلطات وصعدت إلي الطبقات المستريحة إلي بلبلة الرأي العام, وتصوير الحالي الراهن علي انه ساقط ما بين غباء أو غيبوبة الحكم الاخواني وجنون او هيستيريا الثورة, لكن الحكم الاخواني ليس غبيا ولا في غيبوبة, بل انه يحسب مصالحه بالمليم ولن يتخلي عن مقعد قفز عليه إلا بالدم.
اما الثورة فهي ليست هيستيريا أو مراهقة أو طفولة فهذه هي الصفات التي تخلعها النخب الحاكمة علي اي امرأة أو رجل مبدع عبقري شجاع لايؤمن بالسير مثلهم جنب الحيط والتحول, والتكيف, مع كل حكم وسلطة خوفا من العقاب أو فقدان المكاسب, وقد نجحت الثورة المصرية في اسقاط رأس النظام وكان يمكنها اسقاط جسده ايضا لو انتخبت لنفسها قيادة ثورية ومعارضة قوية لاتتنازل في مواجهة البطش أو الاغراءات, ومضي عامان منذ فبراير2011 وتعلمت المعارضة من اخطائها التي كادت تجهض الثورة لولا خروج الشعب إلي الشوارع والميادين, نساء وشبابا واطفالا ورجالا وعمالا وفلاحين وموظفين من كل فئات الشعب وشرائحه وعقائده واديانه, من اسوان إلي الاسكندرية وبورسعيد ومازالوا يخرجون وتراق دماؤهم كل يوم دون تنازل عن الأهداف والمبادئ.
مقاطعة الانتخابات البرلمانية القادمة عمل ايجابي منطقي عاقل كان يجب ان يحدث منذ عامين, لكن المعارضة تخلت عن المنطق والعقل وسارت في ركب الحكم الجديد وشاركت في انتخابات متسرعة مزيفة قبل وضع الدستور الثوري الجديد وتنظيم القوي الثورية لنفسها واحزابها, فهل تتعلم المعارضة المصرية الدرس وتستمر في التصدي والثورة؟

انه الامتحان الأخير لهذه المعارضة وقدرتها علي الصمود وتوحيد صفوفها والالتحام بالثورة والشعب, بحيث تصبح المقاطعة تعبيرا واضحا عن ارادة شعبية جامعة وقوة ثورية شاملة في مواجهة النظام الحاكم الحالي, كما حدث في مواجهة النظام السابق, لقد ورث حكم الاخوان اساليب النظام السابق في الاعتماد علي الدعم الخارجي والاستجداء دون اباء, والضرب الداخلي والسحل دون حياء, واستخدام صندوق الانتخابات لاضفاء الشرعية علي انتخابات فاقدة الشرعية, وتزييف الارادة الشعبية, تحت اسم منافسة ديمقراطية, اي منافسة ديمقراطية دون حرية أو وعي او عدالة أو كرامة؟

ان نزاهة الانتخابات ليست مجرد الرقابة القضائية المحلية والدولية علي تجميع الأصوات من الصناديق وجمعها وعدها رقميا بل النزاهة تبدأ بالصدق والعدل في الحكم, وكشف كل الأوراق وسراديب اللعب السياسية والانتخابية التي تتم في الغرف المغلقة بعيدا عن الناس, النزاهة تبدأ بتوفير الوعي والمعرفة والحقائق والبرامج المدروسة للشعب كله والرأي العام, حتي يمكن لكل فرد ان يختار فعلا من يريده ومن يثق فيه بارادته الحرة الواعية, وليس من يقدم له رشوة أو خدمة أو وعودا كاذبة.

استطاعت جماعة الاخوان المسلمين القفز علي الحكم بسبب ضعف النخب المعارضة وتنازلاتها المتكررة وعدم تمسكها بأهداف الثورة, ومنذ سقوط مبارك في11 فبراير2011 تعاونت النخب المعارضة مع الاخوان المسلمين والمجلس العسكري, ونصائح الخبراء الأمريكيين والنفطيين, لاجهاض الثورة يوما وراء يوم, تحت اسم الوفاق أو التوافق أو الحوار أو التفاوض أو التصالح وغيرها من الكلمات الرنانة, انه الطريق الذي انزلقت فيه بلادنا إلي المأزق الذي هي فيه اليوم وليس امام المعارضة لانقاذ نفسها إلا مقاطعة الانتخابات القادمة بكل حزم وحسم, وتوحيد نفسها مع القوي الثورية في كتلة واحدة ضد هيستيريا الحكم الديني الذي يتخبط بين الامساك بالسيف في اليد اليمني واراقة الدم, وكتاب الله في اليد اليسري, وتلاوة المواعظ والقرارات اخر الليل, ثم استيراد قنابل الغاز الأمريكية لقمع الشعب بالملايين من خزينة الشعب الفقير الكادح, ويكرر الحكم الديني الحالي ما فعله الحكم المدني السابق بالحرف الواحد.

ايتها المعارضة المصرية تمردي وثوري لاتستكيني فليس امامك وقت للخنوع مرة اخري معارضة يعني شجاعة لاتخافي دفع ثمن الشجاعة, تعيشين مرة واحدة ادفعيها بقوة تصبحين جديرة بالمعارضة لايغير العالم إلا المشاعر القوية الجامحة وليس الفاترة الباردة لا اقول لك اركبي حصانا مثل دون كيشوت وناطحي السحب لكن عليك إلا تستكيني وألا تخافي من الاتهام بالجنون كوني قوية لتكوني جديرة بالمعارضة فالمعارضة كالحياة, دراما قوية فيها دموع, ادفعي حياتك تعد إليك حياتك اجمل اقتحمي المجهول لا مستحيل في الثورة اغضبي وثوري, الثورة تجعل الانسان جميلا.

نقلاً عن صحيفة "الأهرام"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.