.
.
.
.

أولويات الكنيسة تحدد شخصية البابا الجديد

أنطوان خليل عون

نشر في: آخر تحديث:

منذ إعلان البابا بنديكتس السادس عشر استقالته والأسئلة تتكاثر عن هوية البابا المقبل، في انتظار تصاعد الدخان الأبيض من مدخنة كابيلا سيكستين في الفاتيكان لتحسم نتيجة التكهنات، ومن مراجعة مواقع التواصل الاجتماعي وتصريحات الكرادلة يمكن رسم الخطوط العريضة المطلوبة في البابا الجديد: أن يكون مفعماً بالنشاط ، منفتحا، يتقن عدداً من اللغات، مؤمناً بالحوار والعمل الرسولي، وبكلمة مختصرة أن يكون على صورة البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني في بداية حبريته وقبل أن يُقعده المرض في آخر أيامه.

وبحسب أولويات عمل الكنيسة للمرحلة المقبلة تتحدد هوية البابا المقبل: أهو التبشير في بلدان جديدة أم الإصلاح الداخلي أم مكافحة الفقر في العالم؟... وفي مطلق الأحوال على البابا الجديد أن يقدم إجابات شافية لعدد من القضايا الاجتماعية المطروحة والمُلحّة.

وفي هذه الانتخابات سيسعى الكرادلة الإيطاليون إلى استعادة كرسي بطرس بعدما أوصلوا مئتين وثلاثة باباوات من بين مئتين وخمسة وستين بابا، ولديهم حاليا ثمانية وعشرون كاردينالا من بين مئة وخمسة عشر كاردينالا يحق لهم التصويت. ومن الأسماء الأوفر حظا يبرز اسم الكاردينال أنجيلو سكولا ( 71 عاما) الذي عيّنه البابا السابق رئيس أساقفة لميلانو، أكبر أبرشية كاثوليكية في العالم، وهي الأبرشية التي أوصلت عددا من الباباوات من بينهم بيوس الحادي عشر وبولس السادس، لكن عاملين يلعبان ضده: سنّه وقربه من مواقع سياسية - دينية في اليمين.

ومن الأسماء الإيطالية التي لديها حظوظ أيضا رئيس المجلس البابوي الكاردينال جان فرانكو رافازي ( 70 عاما) وهو بمثابة وزير للثقافة يتميّز بانفتاحه على الحوار مع المُلحدين.

كرادلة أمريكا

في المقابل يسعى الكرادلة الأميركيون وعددهم أحد عشر كاردينالا مدعومين بتكتلات أخرى الى تزكية مرشح من أميركا الشمالية. وفي طليعة الأسماء الأوفر حظا من القارة الأميركية الكاردينال الكندي مارك أوليه (68 عاما) الذي يجمع بين خبرة الأسقف الميداني من خلال خبرته كمطران لأبرشية كيبك وعمله الرسولي في أميركا الجنوبية، وبين مهامه في الفاتيكان من خلال مجمع الحوار مع البروتستانت والأورثوذكس واليهود كذلك يرأس منذ العام الفين وعشرة مجمع الأساقفة الذي جعله معروفا في معظم الأبرشيات.

في حال دخل الكرادلة الإيطاليون منقسمين إلى المجمع الانتخابي كما حصل في انتخابات البابوين الأخيرين فثمة أمل في أن يصل بابا من خارج هذه الدائرة، كوصول بابا أوروبي وغير إيطالي وذلك كتسوية بين الأوربيين، وفي هذا الإطار يبرز اسم الكاردينال النمساوي كريستوف شون بورن (67 عاما) وهو إصلاحي كلّفه البابا يوحنا بولس الثاني التنسيق مع هيئة تحرير لكتابة تعليم الكنيسة الكاثوليكية في العام 1992 وهو من تلامذة البابا بنديكتس السادس عشر.

تضاؤل حظوظ أمريكا اللاتينية

على الرغم من وجود كرادلة أكفاء من أمريكا اللاتينية وعلى الرغم من أن 47 % من كاثوليك العالم هم من هذه المنطقة من العالم، إلا أنه من المستبعد انتخاب بابا من أمريكا اللاتينية في هذه المرحلة بسبب تيار لاهوت التحرير أو التحرر الذي انطلق من هذه البلدان التي تكثر فيها شرائح الفقراء وقد وُصف هذا التيار باللاهوت الأحمر بالنظر إلى قربه من الأفكار الماركسية.

وقد تصدّى له البابوان الأخيران بشدة، كذلك لا تشعر الولايات المتحدة بالارتياح لوصول بابا من بلدان تُصدّر أفكارا سياسية مُعادية لواشنطن. وهنا لا بد من الإشارة إلى حظوظ رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري (70 عاما) وهو كاردينال إيطالي من مواليد الأرجنتين عرف كيف يحافظ على علاقاته بروما من دون أن يختلف مع موطنه الثاني الأرجنتين، وقد يأتي هذا الكاردينال كتسوية محتملة بين كرادلة إيطاليا وكرادلة أمريكا اللاتينية.

إن تراجع أعداد الكاثوليك في أوروبا وتفتيش الكنيسة عن آفاق جديدة للبشارة وتزايد أعداد المُعمّدين في الهند والصين من شأنه أن يطرح بقوة احتمال انتخاب بابا من آسيا، تماما كما حصل عندما وصل البابا البولندي يوحنا بولس الثاني نتيجة الانقسام بين الكرادلة الإيطاليين وقد تكرر السيناريو ذاته مع البابا بنديكتس حيث وصل ألماني إلى السدة البطرسية.

ولا شيء يمنع من وصول بابا صيني أو هندي أو فليبني، وفي هذا المجال يبرز اسم الكاردينال لويس أنطونيو تاغيلي (56 عاما) رئيس أساقفة مانيلا ثالث أكبر أبرشية في العالم.

يكتسب الموارنة أهمية خاصة في الكنيسة الكاثوليكية لكونهم الكنيسة الشرقية الوحيدة التي لم تنشقّ عن روما في العام 1054. ولذلك يعتبر الفاتيكان البطريرك الماروني ممثل كنيسة الشرق والتي منها أتى السيد المسيح. ولذلك كان الكاردينال البطريرك الماروني السابق نصرالله بطرس صفير واحدا من ضمن خمسة كرادلة ترأسوا مراسم جنازة البابا يوحنا بولس الثاني وكذاك كان الكاردينال البطريرك الماروني واحدا من بين خمسة كرادلة شاركوا في رسامة البابا بنديكتس السادس عشر.

ولبنان الذي ذكره الكتاب المقدس وذكر عددا من مدنه أكثر من خمس وسبعين مرة خصّصت له الكنيسة الكاثوليكية سينودوسا ( مجمعا كنسيا) خاصا به واختتمه البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة خاصة للبنان في مايو/ أيار من العام 1997 فيما السينودوس يكون عادة لقارة وذلك بسبب خصوصية المجتمع التعددي في لبنان ولذلك قال عنه يوحنا بولس الثاني إنه أكثر من بلد إنه رسالة.

وما زاد من أهمية لبنان في هذه الانتخابات أنه يُشارك ولأول مرة في التاريخ كناخب من خلال الكاردينال البطريرك بشارة الراعي كما لا شيء يمنع قانونا من انتخاب الراعي بابا، كذلك سيشارك الراعي مبدئيا في تنصيب البابا الجديد كما فعل سلفه. إلى ذلك يُضاف أن الكاردينال الراعي تم انتخابه من بين ثلاثة كرادلة معاونين للكاردينال المسؤول عن الشؤون الإدارية في الفاتيكان الكاردينال ترشيزيو برتوني، وذلك لمدة ثلاثة أيام فقط أي في خلال الأيام التحضيرية وقبل المجمع الانتخابي.

ولعل ما عزّز التأويلات عن احتمال انتخاب الكاردينال الراعي بابا هو تكليفه من قبل البابا السابق وضع تأملات درب الصليب في الجمعة العظيمة التي تسبق أحد القيامة، كما فعل البابا يوحنا بولس الثاني مع الكاردينال راتزنغر، الذي أصبح البابا في ما بعد، وهو ما فهمه البعض على أنه ترشيح من قبل بنديكتس للراعي.

والكاردينال الراعي يحمل دكتوراة في الحق الكنسي وأخرى في الحق المدني وإجازات في المحاماة الروتالية وفي الفلسفة واللاهوت من جامعة اللاتران الحبرية في روما ويتكلّم أكثر من عشر لغات، وهو يجمع بين خبرتي الشرق والغرب، وقد عيّنه البابا بنديكتس السادس عشر في الخامس عشر من يناير/كانون الثاني الفائت عضوا في ثلاث لجان حبرية في الفاتيكان هي: مجمع الكنائس الشرقية، ومحكمة التوقيع الرسولي العليا والمجلس البابوي لرعوية المهاجرين والمتنقلين.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.