سوريا: كثرة الطباخين تُحرق الطبخة
"عندما يكثر الطباخون تحترق الطبخة". مثل شعبي قديم يعرفه الجاهل والمتعلّم، وينطبق على أمور حياتية كثيرة، لكن الأخطر هو حين يُبنى عليه في عالم السياسة بطريقة واضحة ومباشرة، فتكون له تداعيات كارثية معظم الأوقات وعلى كل المستويات والأصعدة خصوصاً أنه يُقال: "إن لم تكن السياسة كل شيء فهي تتداخل في كل شيء".. من هنا إذاً خطورة تبعات استعمال هذا القول في الحياة السياسية وعلى سبيل المثال، ما يحدث اليوم في سوريا.
قوات النظام السوري، الجيش الحر، ألوية من هنا وهناك، مرتزقة، جبهة النصرة، وحزب الله "جهاراً"، هذا في الميدان.. وفي السياسة: الرئيس الاسد، إيران، كبرى الدول منها الاوروبية والولايات المتحدة وروسيا والصين ودول عربية.
الخلاصة: "سوريا تحترق" تماماً كأي "طبخة كثُـر طبّاخوها".
قبل عامين، حملت الرياح الخمسينية الربيع العربي الى سوريا، يومها كانت التحركات في وجه النظام الحاكم سلمية تُترجم بتظاهرات تدعو لإسقاط النظام، تُواجَه بالرصاص والاعتقالات لما للسلمية من وقع فعّال في إسقاط الأنظمة خصوصاً أن كان الشعب والمدنيون يقودون الثورة.
أشهر مرّت.. وحين بدأت الكودرة السياسية والتنظيم الفعلي للمعارضين كي يرسموا سوريا المستقبل ويقدّموا للمجتمع الدولي برنامجاً واضحاً وصريحاً مضمون النتائج على المستويين الاقتصادي والأمني، بدأ الخلاف على قالب الجبنة وتترجم ذلك بفشل مؤتمر أنطاكيا ليذهب كلّ في سبيله ويؤسس معارضة على مقاييسه. استفاد النظام السوري من هذا الانقسام وازداد بطشاً وقمعاً للثورة كي ينقذ حكمه ويبقى في السلطة.
أشهر مرت.. سنة.. فسنتان، عشرات آلاف المدنيين سقطوا شهداء الحرية، والحَبلُ على الجرّار.. وأصبحت سوريا اليوم بلاداً مفتوحة وساحة اقتتال مشتعلة انتقلت اليها نزاعات السياسة والدين والعصابات وغيرها من الحروب منها بالفعل وغيرها كردة فعل. والنتيجة واحدة: النظام السوري هو المستفيد الاول، والمدني البريء يقبع في الوسط لا ناقة له ولا جمل.
احتمالان يؤيديان الى نتيجة واحدة: بعد عامين الأسد لايزال رئيساً ويبقى السؤال هل كثرة الطباخين كانت مُفتعلة أم ردّة فعل طبيعية لطبخة مثيرة استقطبت كل الطباخين؟!
مثل قديم آخر، يقول إن الرزق السائب يعلّم الناس على الحرام.. وها هي سوريا اليوم تؤكد صحّة هذا القول فارضها الخصبة باتت ساحة لأي معركة من أي نوع كانت في ظل غياب أي رقيب.
في أي حال، يبقى على "الثوار الأوائل" أن يحاربوا على جبهتين: أولاً، عبر تطهير الساحة من كل من يدعي أنه ثائر سياسي ضد نظام الأسد وهو فعلياً يقطف ثمار الفلتان الحاصل لمآرب شخصية أو أيديولوجية أو دينية (ويبقى الرئيس الأسد المستفيد الأول من تجاوزاتهم)، ثانياً، أن يحارب الثوار الأوائل قوات النظام التي تزداد عنفاً يومياً في الميدان السوري الملتهب والذي لا مكان فيه للسلمية والحوار أقله في الوقت الحالي.