.
.
.
.

من يسيطر على مصر؟

أمين قمورية

نشر في: آخر تحديث:

القاهرة تنام على شيء وتصحو على شيء. صراخ واحتجاجات وتظاهرات وفوضى في الشارع وسيلان دم وحرائق، كلها اعراض لصراع كبير اسمه من يسيطر على مصر. منذ طوت صفحة ثورتها على نظام حسني مبارك، لا احد فيها يستريح. "الاخوان" يعتبرون انها لحظتهم التاريخية ولا يريدون ان يسرقها منهم احد، "الفلول" ينتظرون الفرصة السانحة لاسترجاع ما خسروه، الثوار يأسفون على ارث لم يحافظوا عليه كالرجال، الجيش يتلطى خلف قلق الناس وخوفهم منتظرا صرخة شعبية: يا منقذ، يا مخلص.


الازمات المتلاحقة وما تلاها من محاكمات واجراءت وكف ايد ووضع قيود، ارهقت رجال الشرطة وشلت ايديهم عن حفظ الامن فاضرب الجهاز عن العمل. ابتهج الاسلاميون وكشفوا عن نيتهم المبيتة لتكوين شركات حراسة خاصة ولجان دفاع محلي وامن شعبي قد تتحول لاحقاً ميليشيات متطوعين على غرار "الباسيج" ثم "حرساً ثورياً" يستلهم التجربة الاسلامية في ايران كي يصير هو وزارة الدفاع ووزارة الداخلية وناخبا اول لرئيس الجمهورية.

بين أجهزة الامن المصرية و"الاخوان" ما صنع الحداد ، الود بينهما مفقود والكره موجود بحكم التاريخ والمطاردة والدم منذ 1954. تعاونوا شكليا منذ تسلم محمد مرسي سدة الرئاسة لكن الكيمياء لم تسر بينهما.

مطالب المضربين محقة ونيات بعضهم حسنة، لكن ذلك لا يخفي ان رؤوسا كبيرة تريد الضغط على الرئيس و"اخوانه" للنيل منه واظهار هشاشة سلطته وضعفها. وفي المقابل، ثمة رؤوس "اخوانية" ترى في الاضراب انقلابا وتاليا فرصة لاتفوت للتحريض على بناء الامن الذاتي "الاخواني" بذريعة الحد من الفلتان الامني الفالت اصلا.


غابت الشرطة، حضر الجيش مرغما بديلا منها. صار الجيش هو الشرطة ونقيضها على عكس ما يريد معظم قادته الذين يتطلعون الى دور يتجاوز الشارع الى رأس الحكم والسلطة وان تعود الوديعة الى اصحابها. فثمة بينهم من يخشى ان يغرق الجنود في الازقة والحارات وتتحول الثكن مخافر شكاوى للمظلومين والمكلومين وان يصير هم الجيش منافسة رجال الامن في مهماتهم اليومية، بينما الحدود سائبة وسيناء في عهدة المتطرفين وبور سعيد وشقيقاتها مدن القناة تعلن حكمها الذاتي.

مصر تنتقل سريعا من فصل الى فصل، ولعل الفصل الابشع ان يصير الجيش الند الاول للشرطة وفي مواجهتها، عندها تفقد مصر اخر دفاعاتها ومؤسساتها الوطنية المتماسكة، وتصير هرما مقلوبا راسه في رمال الصحراء وقاعدته تلعب في الهواء ولا تستقر في مكان.

نقلاً عن صحيفة "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.