من دفاتر الظلم

خالص جلبي
خالص جلبي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

في عام 1965 كنت شاباً في السنة الأولى من كلية الطب، حين تناهى لأسماعنا نبأ انطلاق مظاهرة من المسجد الأموي الكبير، فذهبت مع الذاهبين، ولم تخطر في بالي المخاطر التي قد أتعرض لها، ومنها القتل، وهو ماشهدناه في عتبة المسجد، حث رأينا جثة مسجاة يقفز فوقها خمسة آلاف فار من الفزع والرعب.

احتشدنا ونحن حوالي خمسة آلاف شخص، وأشرف علينا من نظمنا في شريط رباعي من الأشخاص، ودرنا الدورة الأولى في صحن المسجد وكان كبيراً، ثم الدورة الثانية ولم نكمل الثالثة حين سمعنا صوت انفجار مدوي، وانخلعت بوابات المسجد المغلقة تجاه سوق الحميدية والمسكية في نهايته. قفز الشبيحة ورجال الأمن بالأسلحة، ولاحظت فوهة دبابة كانت وحشاً حديدياً مرعباً، وكان جند الشيطان من كل حدب ينسلون. كانت مواجهة عجيبة بين نسر وعصفور في قفص مغلق، أو ديناصور لاحم وكومة محدودة من نمل في حفرة.
أدركنا يومها أن البعثيين ضربوا بوابة المسجد بمصفحة عسكرية. ما زلت أتذكر ذلك الضابط وهو يحمل مسدسين يلوح بهما! معطف جلدي طويل، جزمات جلد بخلفيات مهاميز للخيل، ويد تمتد إلى المسدس.

اشتد إطلاق الرصاص فهربنا مذعورين إلى أي مكان نحتمي فيه من زخات المطر الناري. وأذكر جيداً كيف تكومنا فوق بعضنا البعض مثل التلة الصغيرة!

حاولنا الهرب إلى داخل المسجد، لكن القنابل كانت على أشدها داخل حرم المسجد... شممت رائحة البارود... لا أدري لماذا تحركت ذكريات الحرب العالمية والحرب الأهلية الأميركية من عمق المخيلة.

لقد نجح الأسد في شيء واحد هو إدخال الرعب إلى نفوس لا يحصيها عدد، وزادهم إيماناً بأن جهنم موجودة لا ريب فيها. هائل، مرعب، مريع... الكلمات -كما يقول الفيلسوف فتجنشتاين- ترسم صوراً سوريالية، لكن مواجهة الواقع تطبع الحواس بخيارات وخيالات لاتزول أبداً. بعدها ساقونا ضرباً بالنعال واللكمات والأكواع. حملوا الرقم الألفي من البشر جميعاً إلى المسكية، حيث احتشدنا في مكان اتصال سوق الحميدية المسقوف مع بوابة الأموي، وكانت المسافة قصيرة لاتتسع لأكثر من مائتي شخص، لكننا كنا خمسة آلاف، ولم أفهم طاقة الإنسان في التحمل والاستيعاب.

حشرونا في مساحة ضيقة، وعملوا ممراً جانبياً فارغاً يتمخطر فيه العساكر. أتذكر أحدهم وهو ينفث دخانه في وجوهنا، وكنا صياماً. إنه تقليد أسطوري؛ شتم الرب وإهانة المقدسات وتحطيم المآذن. لذلك من المهم جداً للثورة الحالية أن تعيد تركيب أخلاقية الجيش كي لا يكون عصا في يد الأوامر حتى لو كان في ذبح أمه وأبيه وفصيلته التي تؤويه!

حيا الله الجنود الذين أحيوا سيرة بلال برفض الطاعة في المنكرات وسفك الدم. كنا في ضيق وكرب نكاد نختنق من الزحام، وكأننا في يوم الحشر قد لجمنا العرق واللهاث والخوف الكبير أمام وحوش البرية.

كان أمامي فتى شامياً صغيراً أشقر الشعر جميل القسمات، بالكاد يتنفس، فحملته وتذكرت جان فالجان من رواية البؤساء، وهو يحمل حبيب كوزيت في مجاري باريس السفلية. لم اجتمع به لاحقاً ولعله الآن يخوض تجربته مع الثورة أظنه الآن في الخمسينيات. ثم حملونا جميعاً ككتلة لحمية متراصة إلى الشاحنات التي شكلت قطاراً لنقل أسرى الحرب... إلى سجن المزة العسكري. وفي السجن الرمادي الرهيب، في اليوم الرهيب، استقبلني ضابط صارم القسمات وقال: استعد للموت ضرباً بالرصاص. فكانت الجرعة السيكولوجية الأولى.

نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط