.
.
.
.

لبنان: أي نأي بالنفس؟

عبدالله إسكندر

نشر في: آخر تحديث:

باتت الإعلانات المتكررة لمسؤولين لبنانيين في شأن النأي بالنفس عن الأزمة السورية تعبر عن موقف سياسي لمطلقيها، وليست تعبيراً عن موقف حكومي أو موقف السلطة التنفيذية في دولة تملك قرارها. فما يقوله رئيس الجمهورية ميشال سليمان او رئيس الوزراء نجيب ميقاتي يبقى في حدود التعبير عن موقف هذين المسؤولين بصفة شخصية وليس سياسة حكومية. ما يجعل الصيغة الرسمية للنأي بالنفس، بغض النظر عن النيات، نوعاً من إراحة ضمير معذب يخرج كلية عن إمكان التأثير الرسمي به.

ثمة ادعاء بوجود ائتلاف حكومي في لبنان، يضم قوى مختلفة. لكن في الواقع، ما يقرره طرف واحد في الائتلاف، ولحساباته الخاصة، يمكن أن يمر في الحكومة. لكن من المستحيل أن يمر أمر آخر يرفضه هذا الطرف بالذات. وهذا يعني أن الحكومة، وبغض النظر عن تلاوينها السياسية وتوزيع الحصص الطائفية فيها، تظل تخضع في قرارتها لرضى «حزب الله».

هذا الاختلال في القرار يتجاوز الانقسام السياسي بين قوى «8 آذار» بزعامة «حزب الله» وقوى «14 آذار» بزعامة تيار المستقبل. إنه يتعلق بكيفية اتخاذ القرار الحكومي الذي بات حالياً في خروج واضح عن نص تسوية الطائف ودستورها وروح هذا النص. ما يجعل مؤسسات الدولة المنبثقة عن هذه التسوية شهود زور على تحول القرار إلى خارجها.

ومنذ بدء تطبيق هذه التسوية التي كان من شروطها الرعاية السورية لها، عمدت دمشق وبشكل منهجي، سياسياً وأمنياً وعسكرياً، لإعداد «حزب الله» وحده لدور الحكم الرديف في لبنان. كما هو الحال في سورية مع أجهزة الاستخبارات، التي هي المؤسسة الوحيدة التي فوق كل مؤسسات الدولة.

صحيح أن القوة العسكرية الفائضة حالياً لدى «حزب الله» هي التي تجعل الجميع يخشون بطشها أو يسعون إلى استبعاد لجوئها إلى قلب الأوضاع رأساً على عقب، لكن الصحيح أيضاً، أن الحزب وبتسهيل سياسي وأمني ومالي من سورية وايران، اخترق مؤسسات الدولة واستحوذ على قرارها، خصوصاً المؤسسات الأمنية والعسكرية، ما يجعله قادراً على تنفيذ قرار يتخذه عبر هذه المؤسسات ومن دون المرور بالمؤسسة التنفيذية، كما لوحظ من خلال اعتقالات هنا وهناك، وأيضاً من خلال موقف وزير الخارجية في الاجتماع الوزاري العربي الأخير. كما اخترق الحزب عبر وسائل عدة، منها المال، جمعيات ومؤسسات مدنية ترفده بالجمهور وتغطي ما بات شعوراً عاماً في لبنان وسورية، أي النزاع المذهبي.

في مقابل هذا الانسلاخ الشيعي عن موقع النأي بالنفس، ثمة انسلاخ آخر يعبر عنه أساساً في الشريط الحدودي مع سورية، وإن كان يتردد صداه أحياناً في العمق اللبناني. إنه انسلاخ أهل سنّة الريف، الذين لم تستقطبهم تسوية الطائف، بعدما كان الصدام المذهبي الأول للنظام السوري معهم يوم دخل إلى لبنان في صيف 1976، فهم اعتبروا هذا التدخل عدواناً عليهم على أكثر من صعيد، سياسياً باستهدافه المقاومة الفلسطينية آنذاك، ووطنياً بإرسال قوات عسكرية نظامية لقتال لبنانيين، ومذهبياً باعتبار انهم امتداد تاريخي لمن قضى عليهم حافظ الأسد.

لذلك واجه الجيش السوري أعنف المواجهات في البقاع وطرابلس وعلى أبواب صيدا. وظلت هذه المناطق على «قهرها الطائفي» الذي لم ينهه دستور الطائف. وما تشهده، أو شهدته، عرسال وطرابلس، هو التعبير عن هذا الانسلاخ الذي لم يندمل، لا بل راح يتغذى من الانسلاخ الآخر.

*نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.