.
.
.
.

حين تشوه الـ"بي.بي.سي" تاريخ سوريا

فيصل عباس

نشر في: آخر تحديث:

رغم كل الاحترام والتقدير الذي أكنّه لهيئة الإذاعة البريطانية "بي.بي.سي"، لم أتمكن من تمالك نفسي من التساؤل حول ما إذا كان البرنامج الوثائقي الذي بثته الشبكة تحت عنوان: "تاريخ سوريا مع دان سنو"، يستند إلى الحقيقة أم الخيال!

فكل ما يستنتجه المشاهد بعد مشاهدته لهذا العمل الوثائقي، هو أن ما يحدث اليوم في سوريا هو أمر "مكتوب"، وأنه امتداد طبيعي لقرون من الصراعات، وذلك في شكل مشابه لاعتقادات بعض أصحاب نظريات المؤامرة والخرافات الذين يعتقدون أن الثورة التي حصلت في مصر كانت بدورها أمرا "مكتوبا"، وربما ناتجا كذلك عن لعنة لا تزال تلحق بالبلاد منذ أيام الفراعنة.

وعلى الرغم من تفهمي للإثارة القابعة في التنقيب عن الماضي والتقليب في صفحات ما مضى من حضارات، إلا أن انغماس مقدم البرنامج دان سنو في المقاربة التاريخية لوصف ما يحدث في سوريا، وهذا من حقه كصحافي أن يحاول إيجاد القاسم المشترك بين ما يحدث الآن وما حدث في السابق، جعله ينسى النظر إلى ما حدث في الأمس القريب، وما اعتبر شرارة انطلاق الثورة السورية.

فقد فات الزميل سنو على سبيل المثال الإشارة إلى إقدام النظام السوري على اعتقال وتعذيب طلبة المدارس الذين كتبوا شعارات مناوئة للرئيس الأسد في مدينة درعا عام 2011، وهي حادثة اعتبرتها شبكة "سي.ان.ان" المنافسة أنها بمثابة الشرارة التي أضاءت شعلة الثورة.

وبدلاً من ذلك، تحدث سنو أن الإخوان المسلمين ضحايا مجزرة حماه التي ارتكبها نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد في بداية الثمانينات انبعثوا من رمادهم وعادوا للانتقام من ابنه بشار.

وتابع أنه كان مقدّراً لهذا الصراع أن يقع في سوريا، لأن السنّة حكموا سوريا فترات طويلة في التاريخ، فيما كان العلويون مختبئين في الجبال، على حد تعبير سنو، معتبراً أنه آن الأوان لتحرك أهل السنّة بهدف استرداد حقوقهم السليبة.

"مخيب للآمال" و"منحاز"


لا يمكن لأحد أن يصدق أن سجون الأسد الشهيرة منذ حوالي نصف قرن بانتهاكات حقوق الإنسان والتعذيب، والفساد المستشري في جسد النظام والقمع المتواصل للشعب السوري لم يجد طاقة يطل منها على هذا الوثائقي التاريخي.

حتى أنه إذا تم عرضاً التطرق إلى النظام الأمني السوري في سياق السرد الوثائقي، ينبري صديق الرئيس الأسد وكاتب سيرته الذاتية باتريك سيل ليدافع ويبرر الحاجة إلى هذا النظام، وما يعجز عنه باتريك تتلقفه بثينة شعبان، صوت النظام وصورته، والخبيرة في تغيير الألوان وقلب الحقائق.

وفي المقلب الآخر، جلّ ما أتيح للمعارضة السورية في هذا السرد الوثائقي التاريخي، هو تصريح لرجلين مقنعين، تحدثوا باسم الجيش السوري الحر.


لذلك لم يفاجئني أن أقرأ الخبر المنشور على موقع العربية الإنكليزي والذي يفيد أن عدداً من الشخصيات السورية المرموقة المقيمة في بريطانيا طالبت "البي.بي.سي" بالاعتذار علناً عن الوثائقي "المخيّب للآمال" و"المنحاز".


أما "بي.بي.سي" فقد اختارت الدفاع عن وثائقي "تاريخ سوريا"، حيث قال متحدث باسم الهيئة لقناة "العربية": "نحن نعتبر أن وصف الأحداث تم بشكل متوازن وغير منحاز، وأن البرنامج يتوافق مع معاييرنا الصحافية الرصينة والمتشددة".


سحر الشرق


وفي نفس السياق، أعرب العديد من السوريين لـ"العربية" عن تشكيكهم بالتسهيلات التي منحت لدان سنو لتصوير هذا الوثائقي في هذه الظروف الأمنية الصعبة، كما تساءلوا هل أن تصوير وثائقي تاريخي كان أفضل قرار يمكن ان تتخذه "بي.بي.سي" ما دامت قد حصلت على هذه التسهيلات للدخول إلى سوريا؟

ألم يكن من الأجدى أن تقوم فرق التصوير، وسنو إذا أراد، بزيارة درعا والسؤال عن أطفالها الذين تعرضوا للخطف والإساءة، أو أن يعرّجوا على معتقل "المزّة" الشهير في دمشق بدلاً من التركيز على الآثار الرومانية في لبنان واجترار الكلام حول الإرث العربي والاسلامي؟

ولشدة المبالغة في هوس منتجي الفيلم بالتراث، لم أكن لأستغرب لو أن فريق الإنتاج المرافق لدان سنو اقترح عليه أن يسجل اللقطة الختامية في أحد الأسواق القديمة، وأن يستقدم أحد الحواة ليرقص ثعبانه في خلفية الصورة، استكمالاً لمشهدية علاء الدين، أو ربما أن يعمدوا إلى تصويره واقفاً قبل أن ينطلق به بساط الريح إلى مغامرة أخرى.. وربما لو أن ذلك قد حدث بالفعل لكان يمكن القول إن "بي.بي.سي" قد استطاعت بالفعل تلبية كل شروط الصورة النمطية عن العرب في الغرب.

ولا شك أنه من المؤلم أن أرى أن الاعلام البريطاني مهتما باستحضار خرافات "سحر الشرق" بدلاً من حشد التأييد لوضع حد لمعاناة الشعب السوري، بينما النظام منهمك في القضاء على حياة عشرات آلاف السوريين الأبرياء في القتال الدائر منذ عامين.

لكن ما يؤلمني أكثر أن أضطر أن أذكر الزميل المتمرس والصحافي المخضرم دان سنو أن الأطفال الذين اختطفوا وتعرضوا للتعذيب في درعا لم يكونوا أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، وأن مئات آلاف اللاجئين السوريين في الدول المجاورة لسوريا لا ينتمون إلى تنظيم القاعدة.
أما من استمتعوا بمشاهدة "تاريخ سوريا مع دان سنو" فأتمنى ألا أخيب امالهم ان اخبرتهم بأن "مغارة علي بابا" ليست موجودة سوى في الخيال، وأنهم مهما مسحوا المصباح السحري، فلن يخرج منه أي جني لتلبية أمنياتهم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.