.
.
.
.

"الربيع العربي".. بانتظار البديل الثوري

إياد أبو شقرا

نشر في: آخر تحديث:

كان مساء السبت الفائت مناسبة طيبة للاستماع لرئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور سلام فياض وهو يخطب في مناسبة خاصة استضافتها العاصمة البريطانية لندن.

فياض تطرق في كلمته إلى «الربيع العربي» ومفهوم رفض الاستكانة للتأقلم والتدجين، ولا سيما إذا كان التأقلم والتدجين مفروضين فرضا من الخارج. وبعد بداية فيها حنين لطيف إلى ذكريات عقود خلت تبلورت خلالها «شرعية» سياسية لـ«الرفض»، دخل فياض صلب النقاش السياسي الذي يجلل «الربيع العربي» وعواقبه. وكان بيت القصيد في كلمته أننا الآن أمام «ثورات لم تنتج ثوريين».

أذكر تماما التجربة التي عاشها فياض، والتي قيض لي أيضا أن أعيشها اعتبارا من عقد السبعينات من القرن الماضي.

لقد كانت وفاة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في أواخر سبتمبر (أيلول) 1970 مفصلا مهما في تلك التجربة، وبالأخص أنها جاءت في فترة احتدام الصراع حول من له شرعية قيادة «رفض» استمرار العدوان الإسرائيلي، وما هي القوة الكفيلة في «تثوير» المنطقة و«ثأرنتها» (من الثأر) – إذا صح التعبير – في وجه ما كان مطروحا على أنه صراع وجود بين الشرق الاشتراكي التحرري والغرب الإمبريالي الاستعماري خلال سنوات «الحرب الباردة».

«أحداث أيلول» 1970 في الأردن كانت المعلم المؤشر لبلوغ الثورة الفلسطينية الفدائية أقصى درجات راديكاليتها الثورية عربيا وأمميا. وفي المقابل، كانت محاولات جمال عبد الناصر حقن الدم واحتواء تداعيات «أحداث الأردن»، في الساعات الأخيرة من حياته، آخر فرصة للنظام السياسي العربي – وتحديدا لما عرف بـ«التجربة الناصرية» – لإفهام الراديكاليين من دعاة حرب التحرير الشعبية أن أركان النظام العربي ما زالوا القوة القادرة على القيادة وإنجاز مهمة التحرير.

هذا الجزء بالذات من سيرة «الرفض» العربي لم يتطرق إليه رئيس الوزراء الفلسطيني، الذي كان في تلك الأيام على أعتاب نهاية دراسته الثانوية. غير أنه عاش «الرفض» في السنوات التالية، بعد نهاية «التجربة الناصرية». وهي السنوات التي شهدت استقالة الأنظمة من مهمة الرفض، وسيرها قدما في طريق محاولة التعامل مع التحديات بـ«واقعية» أنور السادات الذي قال كلماته الشهيرة «كل أوراق اللعبة في أيدي أميركا!».. مما مهد بالنتيجة إلى كامب ديفيد وإخراج مصر من ميدان الصراع العربي - الإسرائيلي.

في خريف 1970، لم يسقط فقط رهان الراديكالية الفلسطينية في الأردن، بل أسقط «الواقعي» حافظ الأسد «راديكالية» صلاح جديد ورفاقه الأطباء اليساريين الثلاثة (نور الدين الأتاسي ويوسف زعين وإبراهيم ماخوس). وخلال عقد السبعينات أنهت «حرب أكتوبر» (تشرين الأول) 1973 – التي خاضها «الواقعيان» أنور السادات وحافظ الأسد – عمليا الحضور السوفياتي في المشرق العربي، ومهدت الطريق أمام تجربتين متطاولتين في الحكم الجمهوري ظاهريا عمم لاحقا على مستوى المنطقة.

عودة إلى كلام الدكتور سلام فياض.. قال رئيس الوزراء الفلسطيني، إن انتفاضات «الربيع العربي» كانت حتمية بالنسبة إلى كل شخص متبصر وواع، بل إن المفاجأة ما كانت أنها حدثت، بل إنها تأخرت لعدة عقود.. في ظل ثورة المعلومات والتواصل بعد تعتيم ممنهج يرفض أن يتعلم من متغيرات العالم من حوله.

وأردف فياض قائلا إن حتى إحراق محمد البوعزيزي نفسه كان يمكن أن يمر مرور الكرام، حتى لو حصل قبل يوم أو بعد يوم، لكن انتفاضة الشارع وعجز أجهزة السلطة عن فهم كيفية التعامل مع مشاعر الإحباط المكبوتة لسنين طويلة.. سرعان ما جعلت من الانتفاضة انتفاضات أطاحت برؤساء تونس ومصر وليبيا واليمن، واليوم سوريا.

وهنا تساءل فياض «لا شك أن ما شهدناه منذ سنتين وما زال مستمرا في شوارع تونس ومصر وسوريا وغيرها.. ثورات شعبية. إنها ثورات حقيقية على المستوى الشعبي، ولكن لدى النظر إلى ما أفرزته هل يمكن أن يكون تعريف الثورة التقليدي تعريفا دقيقا لها؟». وأردف موضحا: «نحن نفهم أن يطلب القادة الجدد بعض الوقت لإصلاح الاقتصاد في ظل تراكم الأخطاء والأزمة الاقتصادية العالمية، ولكن هل يكون ثوريا ذلك البديل الذي يطالب الشعب بمهل من أجل الإصلاح السياسي؟.. أليست هذه الذريعة الجاهزة والدائمة التي كان يستخدمها قادة الأنظمة التي أسقطها (الربيع العربي).. أعطونا بعض الوقت.. انتظروا بعض الوقت.. نحتاج إلى الوقت؟!».

كلام الدكتور فياض صحيح إلى حد بعيد، وهو محق في التشكيك بثورية البدائل المطلة من خلف «الربيع العربي»، غير أنه بحاجة إلى توضيحين اثنين، أزعم أنهما على جانب من الأهمية:

التوضيح الأول، أنه يحكم على الانتفاضات العربية خلال فترة سنتين فقط، وهذه في التجارب السياسية على امتداد العالم فترة غير كافية لإصدار أحكام حاسمة.. ذلك أن أي تغيير سياسي له طبيعة التغييرات التي شهدناها في المنطقة العربية، واستهدف أنظمة قضت فعليا على فكرتي «المواطنة» و«المؤسسات» يحتاج لبعض الوقت قبل أن توضع كل الشعارات والائتلافات الظرفية والتجمعات المصلحية فيه على المحك. ولا بد من ترك فرصة تفرز فيها القوى وتتشكل فيها القواسم المشتركة. ثم إن البديل الإسلامي الذي رجحت كفته في تونس ومصر، والذي يطل برأسه في سوريا، ليس بالضرورة قدر أي من هذه الدول على المدى المتوسط والبعيد، تماما كحال حماس في قطاع غزة. وفي نهاية المطاف، على الشعب حتما أن يسائل ويحاسب، وكل ما فعله «الربيع العربي» لتاريخه باقتلاعه الحكام السابقين هو أنه رفع عن الشعب حالة المصادرة وأعطاه صوتا كان مكبوتا.

التوضيح الثاني، أن الفلسطينيين، الذين تعرضوا لأولى حالات الظلم الجماعي بين الشعوب العربية في التاريخ المعاصر، عليهم أن يقنعوا أنفسهم بأن حق تقرير المصير والانتفاضة ضد الظلم حق طبيعي للجميع. وبالتالي، كان خطأ جسيما أن تقف قيادات وتنظيمات وشخصيات – وبعضها ما زال يقف حتى اللحظة – مع أنظمة عربية تضطهد شعوبها لمجرد أن تلك الأنظمة لغايات انتهازية واستنسابية خاصة بها.. رفعت زورا شعارات الصمود والتصدي والممانعة والمقاومة وتحرير فلسطين.

ختاما، في تقديري.. ما كان التشكيك بجدوى «الربيع العربي» ما قصده الدكتور فياض.

نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.