ستون دقيقة مع نيلسون مانديلا
في جناحه بالفندق في إمارة الشارقة التقيته. كنت أتواصل مع مكتبه في بريتوريا لترتيب لقاء. وذات صباح رنّ هاتفي وقالت محدثتي: يسعد الرئيس مانديلا أن يلتقيك في الشارقة. لدقائق لم أصدق ولكن كان ما كان في العام الفين وثلاثة.
كنت أعرفه قبل أن أقابله، وبعدما قابلته عرفت كم كنت أجهله. هو من طينة الرجال الاستثنائيين، ما تقرأه في الكتب عنه يختلف عما ستعرفه عند لقياك إياه.
إنه المختلف، يتغير الانطباع عنه بعد اللحظة الأولى. لا تشعر بأنك في حضرة الكبير الذي ملأ الدنيا على اتساعها وشغل الناس على كثرتهم. ولا في حضرة رئيس للجمهورية لخمس سنوات متتالية. ولا في حضرة السجين لثمانية وعشرين عاماً متواصلة. أنت في حضرة الإنسان، في حضرة "ماديبا"، نلسون مانديلا، الذي شرّف نوبل للسلام عام ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين، وشرّف الحكم بين عامي ألف وتسعمئة وأربعة وتسعين وألف وتسعمئة وتسعة وتسعين.
على مدى ستين دقيقة حاورته عن أيام طفولته وشبابه، وعن شباب أخذته منه غياهب السجون على مدى ثمانية وعشرين عاماً، "إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي اعتقلت فيها فإني سأقوم بنفس الممارسات التي سُجنت من أجلها"، يقول.
وعن سنوات الحكم الخمس لا أكثر "إننا نقتل أنفسنا عندما نضيّق خياراتنا في الحياة". عن علاقاته وعن فلسفته في الحياة "العظمة في هذه الحياة ليست في التعثر، ولكن في القيام بعد كل مرة نتعثر فيها"، عن الإنسان "إن الإنسان الحر كلما صعد جبلاً عظيماً وجد وراءه جبالاً أخرى يصعدهاً". عن الحياة والموت "الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم، والشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة". ويقول أيضاً: "إنني أتجول بين عالمين: أحدهما ميّت والآخر عاجز أن يولد، وليس هناك مكان حتى الآن أريح عليه رأسي ".
ترك لي حرية الأسئلة، لم يشترط معرفتها ولم يشترط حصر الموضوعات، فكان من الواجب أن أترك له حرية الإجابة، فكانت متعة اللقاء. لم يبخل، لم يتذمر، لم يعترض، كانت الابتسامة التي لاقاني بها لم تزل تشرق على وجهه كما شمس جنوب إفريقيا وطبيعتها الخلابة.
مع مانديلا تتمنى ألا ينتهي الوقت، ولكن.. بقي لي منه قبل أن أودّعه قوله: "الحرية لا يمكن أن تعطى على جرعات، فالمرء إما أن يكون حراً أو لا يكون حراً". وفيما نحن فيه بقي لي منه قوله أخيراً: "التسامح الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل".