مصر: لمن تقام دولة الكراهية؟!

وائل عبد الفتاح
وائل عبد الفتاح
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
10 دقائق للقراءة

ــ 1 ــ
«اهلا بكم في جورجيا...»
صفحات على «الفايسبوك» وشركات سياحة وحركة كاملة أسفرت عن هجرة 84 ألف قبطي مصري الى هذا البلد «الفقير» في أوروبا الشرقية، حيث ما زالت «الحياة صعبة.. والناس لا تتكلم غير اللغة الجورجية»، وهذا ما قاله مهاجر لصديقه عبر ثرثرة على إحدى الصفحات المبشرة بالهجرة الجورجية.
الصفحات انتعشت بعد «فتنة الخصوص»، الاسم المتداول إعلاميا لاشتباك فردي تحول الى «معركة طائفية» و«عقاب جماعي»... هذه فتنة كان يقال في السابق «إنها نائمة واللعنة تصيب من أيقظها».
لكن الذي جرى هو انتقال الى مرحلة «الهجوم على الكاتدرائية»، وهو ما لم يحدث منذ عصر الاضطهاد الروماني. وحتى عندما وصل عمرو بن العاص بجيوشه الإسلامية لم يقترب من مقر البابا، لكن هذا ما حدث تحت رعاية الرئيس محمد مرسي، وجماعته الحاكمة، وهذا ما أعاد صياغة العبارة القديمة لتصبح «الفتنة قائمة لعن الله من أنكرها».
«الخصوص» علامة جديدة، خارج مناطق ومنطق الفتن السابقة. انها التعبير الظاهر عن «دولة الكراهية» التي تحكمها جماعة (أو جماعات) تقوم بطاريات شحنها على «التمييز» و«الطائفية»، وما يفعله العنف الرمزي ضد أبناء طائفة أخرى أو في مواجهة مذهب لا يخضع للأغلبية.
الكراهية لها دولتها الآن بما فيها من سلطة قرار، وأجهزة تنفيذه، وماكينات هيمنة تتزاحم فيها خطابات التمييز لتبدو معها خطابات المواطنة مضحكة وشكلية عندما تخرج من أحزاب وجماعات السلطة، أو مرتبكة وملتاعة ويائسة، عندما ترتبط بمواجهة تأسيس دولة لا أرض لها.
فالطائفية ضد الدولة الدينية أو مشروع دولة الفقيه المصرية القائمة على
مجتمع «النسيج الطائفي الواحد» أو الطائفة الغالبة... دولة الفقيه افتراضية في مصر، لأنها تفترض غياب عشرة ملايين مسيحي، وإذعان قطاعات واسعة من مجتمع يشعر بخطورة خطابات الكراهية بعدما تبناها سنوات طويلة في السر.
- 2 -
«بسكوتة نفسه»
ذلك البلطجي الشهير في موقعة العباسية الأولى عندما رتبت قيادة المجلس العسكري ميليشيات سرية ضد الثوار، كان أبرزهم «بسكوتة» النجم الذي اشتهر بقنصه عين الشاب الذي كان يصوره، وبجسده النحيف الرشيق، طبعت صورته في ذاكرة معارك الثورة.
«بسكوتة» في خدمة الكراهية الحاكمة، وصورته أعلى بناية مواجهة للكاتدرائية، توحي بفهم نظام عمل متكامل أحيا فيها مرسي وجماعته أجهزة وعلاقات قديمة بين «عصابات مسلحة» للسيطرة على الشارع مرة باسم الوطن، والآن باسم الإسلام... انتقالات تعتمد على رشاقة قاتلة وقمع لجماعات مطلوب ألا تغادر موقعها الصامت.
«بسكوتة» والعصابة التي ساعدته، أرشق من أن ينتموا مباشرة الى «الإخوان المسلمين». هم أقرب الى مجموعات تتحلق حول أتباع الشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل، هؤلاء الذين يمارسون عنف العاجز، الباحث عن ذاته في الذوبان مع الجسم الكبير للشيخ، جامع نثار الخطابات الشعبوية الدينية. هم مختلفون عن «بسكوتة» بثقله التاريخي في اللعب تحت حماية النظام، لكنهم التقوا معه في استعراض مشترك للكراهية.
- 3 -
«يتكلمون مسيحي»
قالها تلفزيون الاخوان (قناة «مصر 25» ) ليلة الهجوم على مقر مكتب الإرشاد في المقطم، وكانت وصفاً لمجموعات الثوار الذين أعلنوا رفضهم «حكم المرشد» من أمام مقره.
الجنون وصل الى تغييب العقل للتأكيد ان قوة رفض مرسي وجماعته الحاكمة، مبنية على أساس طائفي، وكيف تعرف المسيحي من المسلم في مصر؟ لا سبيل اذاً إلا الكلام المسيحي... هكذا تحوّل هوس الكراهية الى خرافات من نوع يثير السخرية، واستمر ليلة الهجوم على الكاتدرائية حيث أكدت القناة ذاتها أن ما يحدث «غضب مجموعات قبطية من سياسات الكنيسة». وفسرت ظهور ملثم بثياب مدنية على مدرعات الشرطة بأنه «غاضب قبطي استولى على المدرعة ووجهها للمقر البابوي».
الكذب هنا يختلف عن أكاذيب «الإخوان» تبريراً لفشل السلطة. انه هجوم بارد لترسيخ الكراهية، تلك البضاعة التي كانت رائجة في لحظات الهزيمة وبدأت بتفسير الأزمات السياسية والاجتماعية بأنها نتيجة الابتعاد عن الدين، وظلم الإسلام والمسلمين، والوقوع في فخ بناء دولة حديثة.
بضاعة الكراهية هي كل ما لدى تنظيمات التخلف والارهاب والطائفية التي تلحق الإسلام باسمها. «إخوان» و«جماعات» و«جهاد» هم أجسام ولدت على هامش دول الاستبداد (العسكري ومن قبله الكولونيالي)، لتشهد بعد هزيمة العام 1967 مولدها أو يقظتها الجديدة.
الكراهية هي أساس هذه اليقظة (تسميها الأدبيات الصحوة الإسلامية) تقوم على التمييز بين سكان هذا البلد على أساس الإيمان الديني. ولأنها بضاعة فاسدة تروّج في زمن إلغاء السياسة فإنها استطاعت تفسير ما يحدث في مصر على أنه مظلومية كبيرة للمسلمين والإسلام.
ابن تنظيمات الكراهية يقسم العالم الى فريقين: هو في طرف والآخرون في طرف آخر ويعادي من يخرج على معتقداته سواء كان من دين مختلف (مسيحي أو يهودي) أو مذهب مختلف (شيعي) أو من ثقافات دينية أخرى (بهائي). هؤلاء أهم بالنسبة لمؤسسي الكراهية أكثر ربما من اللادينيين أو الملحدين، لأنهم «كيانات» تصلح أن تكون عدواً أو هدفاً للهجوم وصنع المؤامرات.
وللكراهية هرم ترسمه نرجسية متخيلة عن زمن الامبراطورية الإسلامية حيث يحكم المسلمون العالم، وتتحول فيه النساء الى جوار، وأبناء الديانات الاخرى الى «ضيوف» أو «أهل ذمة» يدفعون الجزية ليقيموا في بلاد المسلمين التي هي كل العالم.
هذه هي الصورة العميقة للذات عند التنظيمات وقطعانها البشرية، التي ربما يضطرون لترويجها الى بلاغة فارغة واكليشيهات بلا معنى، لكن هذه الصورة تطل دائما بهرم الكراهية حيث يضعون على رأسه الذكر المسلم وفي قاعدته النساء (ولو مسلمات) والأقباط (طبعا وفي مؤخرتهم النساء)، وعليهم أن يقبلوا بمنطق «النصف»، فالمرأة نصف الرجل والمسيحي نصف مواطن.
- 4 -
«الإسلام هو الحل ..»
لن تغضب اذا رفع المسيحي هذا الشعار... قال القيادي الإخواني العبارة من دون أن ترجف له عين أو يراجع «تهتك» مقولته.
القيادي كان يعلق على إصرار جماعته على قانون إلغاء حظر استخدام الشعارات الدينية.
الأقل قدرة من نفس القيادي على التهتك برروا القانون، «وما الذي يضر اذا استخدم المسلم شعار الإسلام هو الحل والمسيحي شعار المسيحية هي الحل».
الجماعة لم تعد قادرة على إخفاء حاجتها إلى سلاحها الأخير: حرب الهويات، وهذا اسمها المحترم الذي يخفي تجارة بالدين وتحويله الى بضاعة في سوق السياسة.
وهذا الانتقال الذي يبدو عابراً خطير بالنسبة إلى مسيحيين ارتضوا بموقعهم في حرب هويات عندما كانت السلطة «شبه محايدة»، لكن الآن بعد أن تسلم «الهوياتي» قصر الرئاسة وتخلى عن كل مساحات المناورة أو اللطف القادم من زمن «الوحدة الوطنية»... ماذا يفعلون؟
هل يقبلون بمنطق الأقلية المضطهدة؟ المغلوبة على أمرها؟ ويقبلون بدخولهم عصر استشهاد جديد؟
ستسمع روايات متعددة عن مقابر بنيت حديثا لتكون مقر «شهداء» الصليب، وستصدم بأرقام الهجرات أو طلبات اللجوء الى دول أوروبية تصل الى 130 ألف طلب... هذا بينما مرسي وجماعته في حرب السيطرة يسيرون على درب مبارك وعصابته حيث كل الأشكال الموحية بالدولة موجودة لكنها أشكال لمنح الديكتاتورية «مكياجها» أمام العالم. لكن مرسي لم يتقن بعد فنون «المكياج»، لأنه ربما ما زال بنفسية الخارج من المغارة أو لأنه يبحث عن عدو يشحن به جمهوراً بعيداً عن معاركه مع الثورة.
- 5 -
«اعتداء علي شخصياً»
مرسي قالها في وصف الاعتداء على الأقباط، ولأنه أصبح مصنعا لـ«الافيهات»، فقد رد الساخرون فوراً واعتبروا تصريحه «المجامل» تحريضاً مباشراً لأن الجميع يريد الاعتداء على رئيس أضاع الأحلام كلها.
مرسي يريد إعادة بناء الأشكال الفارغة لسلطته، لكنه عاجز عن تجميلها، وهذا ما جعله لا يلتفت الى غياب الأقباط عن صناعة الدستور، لأنه يريده دستوراً مؤسساً لدولة الكراهية (الطائفية بامتياز الممهدة لدولة الفقيه المصرية بكل شحنة السلفيين والاخوان من الدهاء).
دولة الكراهية تقوم على مبدأ «احمدوا ربكم» أنكم ما زلتم على قيد الحياة أو تسمعون بين حين وآخر محفوظات الدولة المصرية على لسان مبرراتي من الإخوان، فالأصل في هذه الدولة أن لا وجود إلا للجماعة ومن تمنحه بركتها أو تحالفها، والخطوة الأساسية هي تحويل معركة بناء الدولة الحديثة الى معركة هويات، لتداعب جماهير عاشت سنوات طويلة تحت استبداد يمنع السياسة وجماعات تتاجر في هذا المنع ... في هذه السوق السوداء تصبح كراهية الآخرين ديناً والحرب عليهم هوية. لماذا يبحثون الآن عن هوية دينية مغلقة لمصر التي بُنيت على التعدد وعاش فيها اليهودي والمسيحي والبهائي؟ لم يكن الدين معياراً للوجود أو الحقوق. الآن هناك من يحارب لتعلن مصر دولة إسلامية ومن بعدها تضيق لتصبح دولة سنية، وهنا إعلاء عنصر ليصبح هو الوجود كله.
مصر دولة غالبيتها مسلمة، وغالبية مسلميها من السنة، لكن الحقوق في الدول الحديثة تمنح للفرد وليس للجماعات.
ماذا يفعل المسيحي أو اليهودي أو البهائي في دولة تصر جماعات نشر الكراهية على أنها إسلامية؟ وماذا يفعل الشيعي المصري في دولة تعتبره جماعات الكراهية كافراً؟
الدولة الحديثة على مسافة واحدة من كل الأديان، وهذا لا يعني أنها دولة كافرة أو ضد الأديان، أو أنها فقدت إيمانها أو ضاع الإسلام فيها أو تركت المذاهب الكافرة تسري في عروقها... إلى آخر هذه الخزعبلات التي يبيع فيها تجار الكراهية بضاعتهم.
المصري يتمتع بحقوق المواطنة من دون النظر الى دينه أو عرقه أو عائلته أو حسابه في المصرف.
هذه هي الدولة التي تبنى قاعدة التعايش فيها على أساس المساواة بين الجميع وعلى الحرية الفردية، وايضا على ان الوجود في المجتمع على أساس الفرد وليس باعتبار الفرد عضواً في جماعة.
ولا بد من اعتراف هنا بأن الكراهية تبيعها تنظيمات لكن تستفيد منها قطاعات ترتبط بها مصلحتها، ولهذا تتحقق المكاسب الشخصية بشحن الكراهية وطرد منافسين بحكم الطائفة أو الجنس أو المرتبة الاجتماعية.
ولأن الاستبداد عاجز فقد كانت المناصب تتوزع حسب حصة طائفية، ولا يمكن لمسيحي أن يتجاوز حدود مناصب معينة في الدولة أو الجيش أو في المناصب الحزبية.
هذا واقع موجود ولا أحد يريد أن يواجهه، ولا أن يتعامل معه، سواء المستفيد أو الخاسر.
يفعلون ذلك وهم يرفعون الشعار السخيف: الوحدة الوطنية... ويحيا الهلال مع الصليب.
وعندما اشتعلت فتنة الزاوية الحمراء قبل اغتيال أنور السادات رفعت كل صحف النظام شعارا أراه أسخف: وحدة عنصري الأمة.
السخافة ليست في الشعار، ولكن في أنه كان مرفوعا في ثورة 1919، لحظة تكوّن الامة المصرية، وكان موجهاً للمحتل لا للذات، وذلك للاعلان عن القدرة على انصهار الطوائف في دولة حديثة لا تعرف باللون والجنس والدين.
وبعد ما يقرب من 100 عام عندما نرفع الشعار نفسه فإن ما يحدث خطيئة كبرى لن يحلها سوى الاعتراف اولا بوجود المشكلة.

*نقلاً عن "السفير" اللبنانية


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط