.
.
.
.

روشتة الفنان لفهم الواقع السياسي

محمود الورواري

نشر في: آخر تحديث:

ما الذي يجب ان يقدمه الفنان لجمهوره في هذا التوقيت ؟ سؤال خرج كطلقة جعلت تلك الجلسةالتي جمعتني بالاديب والكاتب د. يوسف زيدان والمخرج السينمائي خالد يوسف والنجم عمرو سعد وعدد آخر من حضور له فكره ورؤيته سؤال وجه مسار الحوار صوب مؤشر المواطن الحائر في هذا التوقيت. واكتشفنا اننا امام سؤالين: هل نقدم فنا للفن فقط ام نجعل ما نقدمه مربوطا بخيوط الواقع الغارق في سيولة محيرة ؟


من وجهة نظري انه يجب ان نتمثل السابقين ونجتر تجاربهم في اطر زمانية تقدم العمل وزمانية قياس ترمومتر نتائجه واذا اردنا ان ننحاز الي تلك الاعمال المرتبطة بواقعها السياسي والاجتماعي فنحن امام فخ السقوط في المناسباتية التي توقعنا بدورها في القصدية والافتعال, وكلها فيروسات تتعارض بل وتقتل الابداع وما أدل علي ذلك من فيلم الرصاصة لا تزال في جيبي ذلك الفيلم الذي اصبح بديلا لشهر اكتوبر لانتصاره.

وهنا وجدت نفسي اخرج الي ملكوت سؤال آخر وهو: هل ممكن ان نكون امام افلام ترصد حدثا بعينه وزمانية بعينها دون الوقوع في الفيروسات السابقة التي تقتل الابداع ؟.

وامام هذا السؤال لم اجد غير قدرات الفنان مخرجا, فالفن مرهون بكيف ؟ وليس بماذا ؟ وهذه الكيف يتم انتاجه وتسويقه وعرضه في عالم الفنان الحقيقي وهنا تجرني ذاكرتي صوب عمل رغم انه يرصد حدثا وزمنا محددين الا انه لم يفقد ذرة من فنه, انه فيلم العصفور ليوسف شاهين, فهو فيلم يعبر بدقة عن حدث وهو هزيمة67 وعن زمن يصل في دقته الي تلك الاحداث التي سبقت خطاب التنحي لعبدالناصر, ورغم هذه المحددات نجح المخرج وفريق عمله ان يخرجوا بالفيلم سالما دون الوقوع في مخاطر المباشرة او الافتعال اوالقصدية بل ووصل به الي ان وضع الفيلم في فاترينة علامات السينما المصرية.

في رأيي ان الفنان حين يريد ان يجعل من فنه ذاكرة ومؤرخا لوعي انساني بعينه عليه ان يجتهد في الجنوح نحو ادواته الفنية بمعني يجعل المواطن يطل عبر ستارة الفن علي الواقع اي لا يجعله يري هموم الواقع مباشرة.


بمعني انني أتصور ان الفنان كالواقف في المنتصف بين جسرين واحد مكتوب عليه الفن والاخر مكتوب عليه الواقع بكل مشاكله, والفنان يصارع الامواج المتلاطمة التي تشده تارة نحو جسر الفن وتارة اخري صوب جسر الواقع فلو جرفته الامواج صوب جسر الواقع اصبحنا امام عمل مناسباتي يميل الي الجانب التوثيقي اكثر. اما الخيار الآخر المرتجي فهو ان ينجح في حمل هموم جسر الواقع والسباحة به الي جسر الفن اي ان نجاح الوصول الي جسر الفن يجب ان يكون مرهونا بالوصول اليه محملا بتفاصيل هموم الواقع لان الوصول بدون ذلك يسقط الفنان في فخ آخر هو فخ الفن للفن الذي ليس اوانه الان.!!


في محصلة لملمة ثمار هذه الفكرة يتاكد ان وعي الفنان هو حصانة وتميمة النجاح, واتصور ان الفنان حين يهضم هموم واقعه تتحول تلقائيا الي دم يسير في شرايينه, وهنا اتذكر مقولة احد النقاد الاسد مجموعة خراف مهضومة أي لايستطيع أحد أن يحدد رجل الاسد تكونت من اي خروف من الخراف الكثيرة التي التهمها. وهنا اقول ان دم الفنان الحقيقي هو مجموعة من هموم واقعه لا نستطيع ان نفصل بين ذرات هذا الدم وذرات تمثله لمشاكل واقعه وهذا كله مشروط بوعيه وثقافته. ولا أدل علي هذا من المخرج العالمي جيمس كاميرون صاحب فيلم افاتار الذي تعرض لحدث بالغ العمق والخطورة وهو احتلال امريكا للعراق وافغانستان والحدث كان لصيقا بمرحلة زمنية بعينها وهي بداية2002 حيث احتلال افغانستان ومارس2003 حيث احتلال العراق.


ماذا فعل ؟
عالج شيئا شديد الواقعية بلغة شديدة الغرائبية والخيال دون اللجوء الي الفانتزيا التي لاتليق بجدية الحدث, فهو اجتهد كثيرا حتي وصل الي التيمة الرئيسة لقراءة عصر بأكمله, هذه التيمة هي غزو واحتلال شعب لاذنب له سوي انه يتواجد فوق الكنز المبتغي. وكما اجتهد كاميرون في الامساك بتيمته اجتهد ايضا في الامساك بأدواته الفنية ليترجمها ويقدمها الي المشاهد, لذا اختار ان يضع ذلك الواقع في قالب من الخيال ليكسب المعركة من بدايتها حين يحرر عقل المشاهد من سطوة الصورة التي سكنت خياله عبر ما يقدم علي شاشات الفضائيات الاخبارية ومازال, فخلق عالما مختلفا كل الاختلاف عما نعرفه وجغرافيا وتاريخ ايضا مختلفين, فكلنا يذكر ابطال الفيلم ويذكر لغته وجغرافيته ومخلوقاته, كل شيء مغاير لما تعارفنا عليه, كاميرون اراد ان يأخذ المتلقي الي عالمه هو وحينها سيستطيع ان يمرر عبر ذهنيته ما يريد كأن يعرض حقيقة ذلك المحتل وقدرة من تم احتلاله, فرغم الامكانات العسكرية التي امتلكها من قاموا بالغزو الا ان يقين الضعفاء وايمانهم سيجعل الطبيعة بكل مخلوقاتها تحارب معهم وسينتصرون.

من هنا وبعد استيعاب تجارب هؤلاء أقول لمن يريد ان يقدم فنا الآن, عليك ان تنجح في الامساك بتلابيب الواقع وفهمه والإمساك بالتيمة الحالية التي تحكمه, ثم ارجع الي لغتك الفنية لتبحث عن امكانية تقديم ذلك الواقع بلغة فنية كاملة.


والتيمة الحاكمة لهذا الواقع في مصر الآن لن تخرج عن خيبة الأمل, حيث نجح هذا الشعب في صنع ثورة عظيمة فضاعت علي موائد الطمع والجشع والاستحواذ.


التيمة الثانية: فقدانه اليقين من العوام في الثورة رغم انها فضيلة, والتيمة الثالثة: التوهة فجزء كبير من البسطاء لايعرف ماذا حدث ويحكمه سؤال احنا رايحين فين ؟ والتيمة الرابعة: ضحكوا علينا لانه قدم شهداء وصنع ثورة وغير نظاما وجاء بآخر, ولم يتحقق له شيء. والتيمة الخامسة: الامل في ظل هذا الاحباط, الشعب يريد من يبشره ببارقة الامل في امكانية تحقيق جزء من احلامه المؤجلة.

نقلاً عن صحيفة "الأهرام".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.