.
.
.
.

مصر والأخطار الثلاثة

خيري منصور

نشر في: آخر تحديث:

حددت الاستراتيجية الصهيونية لمصر ثلاثة مصائر، وجربتها على التوالي منذ خمسة عقود: الهزيمة العسكرية الساحقة، أو التحييد وعزلها عن النطاق القومي، وأخيراً تدميرها من الداخل، لكن هذا الرهان الثلاثي لم يكن مصيره أفضل من مصير العدوان الثلاثي على مصر العام ،1956 لكن المحاولات مستمرة، وآخر ما يتداول الآن في الإعلان “الإسرائيلي” ومعاهد البحوث الاستراتيجية، هو أن مصر مقبلة على ثلاث حروب أهلية، إحداها طائفية بدأ التمهيد لها منذ زمن من خلال إشعال الفتنة بين المسلمين والأقباط وتعرض كاتدرائيات وكنائس للاعتداء .

والحرب الأهلية الثانية طبقية، أي ذات دوافع اقتصادية، بسبب التفاوت الكارثي في الدّخل، إضافة إلى ما يسمى ثورة الجياع التي تأتي على الأخضر واليابس .

والثالثة حرب ذات دوافع سياسية بين أصوليين وليبراليين . ويجري البحث على جعل هذه الحروب الثلاث دوائر لها ثلاثة محيطات ومركز واحد، بحيث تكمل الواحدة الأخرى، أو تنوب عنها إذا تم إجهاضها .

ولو عدنا إلى الوراء قليلاً لوجدنا أن الاستعمار من خلال بُعده الاستشراقي قد بدأ يعزف على هذه الأوتار مبكراً .

ويكفي أن نعيد قراءة ما كتبه اللورد كرومر، وما بشر به مهندس الري كوكس الذي انتهي به الأمر إلى هندسة التجفيف قدر تعلقها بالنيل والانتماء القومي .

ومن المحاولات في هذا السياق أيضاً خلع الإسكندرية من تاريخيتها، والنظر إليها كمدينة كوزموبوليتية بلا هوية محددة، وسقط في هذا الفخ مثقفون مصريون، صدّقوا أن الإسكندرية تنتمي إلى محيط حضاري آخر غَربيّ البحر المتوسط .

والسؤال الآن وبإلحاح هو: هل يعي المصريون مثل هذه الأخطار التي تهدّد الهوية والمصير وسائر البلاد والعباد؟ بالطبع هناك من يعون ذلك، ويحاولون قرع الأجراس لكن الصخب والضجيج يحجب الرنين، كما أن الاشتباك الإعلامي ومناخات السجال المتوترة لا تتيح لهؤلاء أن يصلوا إلى آخر الشوط في التعبير عما يدركونه ويستشعرون أخطاره عن بُعد .

ومن يرصد الحراك الصاخب في مصر الآن يجد أن هناك شجوناً تجرّ الرأي العام إلى ملاعب أخرى، وإلى ضواحي القضية الوطنية الأم، بحيث لم يعد لدى مصر من فائض الوقت كي تفكّر بمحيطها الإفريقي وامتداداتها الآسيوية قومياً، وهذا الانكفاء بحد ذاته خطر آخر يحدق بمصر، لأنه لا يُضعفها إقليمياً فقط، بل يعرضها لخسارة دور رائد، وتنويري طالما تخطّى إشعاعه حدودها الإقليمية لعقود .

وإذا لم تسارع النخب الناشطة في مصر إلى تدارك ما يمكن تداركه، وإجهاض ما يراد لها أن تبلغه، فإن الندم سوف يشمل كل أطرافها، لكن بعد فوات الأوان.

نقلاص عن صحيفة "الخليج".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.