.
.
.
.

العلامة الفضلي.. صوت الاعتدال الشيعي

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

الشغف بصاحب "الخطيئة والتكفير"، الدكتور عبدالله الغذامي، كان يقودني لكلية الآداب بجامعة الملك سعود، بالعاصمة السعودية الرياض، لحضور دروس الماجستير، رغم أنني وقتها كنت طالباً في كلية العلوم.

الغذامي الذي كان يأخذه الجدل مع تلامذته، وتحديداً مع الصديق حسين بافقيه، طلب مني في إحدى الجلسات أن أحضر نسخاً من كتاب "مختصر المنطق"، للعلامة الراحل الدكتور عبدالهادي الفضلي، سائلاً تلامذته أن يعتبروا الكتاب ضمن مقرراتهم الدراسية.

ما أن أحضرت "مختصر المنطق"، حتى أُخذ به الطلبة، وتلقًفه بافقيه بشغف، خصوصاً أنه تربطه سابقة معرفة بالفقيد الفضلي.

كان هدف الغذامي من فرض المقرر على الطلبة، أن يجعلهم يفكرون بطريقة منطقية سليمة، سائرين على "خطة طريق" منهجية، وضعها رجل زامله إبان تدريسه في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، في زمن كان الهجوم فيه حاداً على الحداثة ورموزها في السعودية.

التحذير من تيار "الحداثة" المتهم بـ"تغريب البلاد"، كان يقوده عدد من رجال الدين ورموز الصحوة، وكان كثيرون لا يتجرؤون على الدفاع عن أصدقاء لهم أو زملاء، خوفاً من أن يطالهم من "الشرر" نصيب. إلا أن الراحل الفضلي، الذي كان رجل دين، بمرتبة فقيه "مجتهد"، وقف جنباً إلى جنب مع الغذامي ولم يتركه وحيداً نهبة للنبال، وتلك كانت إحدى السمات الأساسية في شخص من أتى من النجف الأشرف، والأزهر الشريف، ليؤسس في جدة قسم اللغة العربية بجامعة الملك عبدالعزيز.

الفضلي، الذي ولد لأسرة علمية أحسائية، في مدينة البصرة العراقية، كان أحد رموز تيار "التجديد" في الحوزة العلمية، رفقة المرجع السيد محمد باقر الصدر. وواحداً ممن شغلهم سؤال التغيير في الخطاب الإسلامي العام، والخطاب الشيعي الخاص، خارجاً بهما من أطرهما الضيقة، لآفاق أكثر رحابة.

قبل سنوات، كنت رفقة عدد من الأصدقاء، نواجه النقد "الشديد" بسبب ما نطرحه من أفكار، وندعو له من مراجعات للخطاب الديني التقليدي، وكانت هذه الكتابات تواجه بصرامة من "غلاة" المحافظين، معترضين على أطروحات نتبناها لمفكرين أمثال: محمد أركون، نصر حامد أبو زيد، مصطفى ملكيان، عبدالكريم سروش، وسواهم، إلا أن الفضلي كان يستقبل هذه النقاشات بعقل منفتح، وكنت آخذ له معي كتب هؤلاء المفكرين وسواهم، ليقرأها ويضع عليها الملاحظات ويرجعها لي، دون أن يحذرني منها، أو يدعوني إلى التريث في مطالعتها، بل كنت أراه يلتقط ما بها من أفكار يراها جديرة بالاهتمام، ويتبناها، ويؤسس عليها رؤية جديدة.

لم يكن الفضلي يؤمن بالانفتاح على الأفكار الجديدة فحسب، بل كان من دعاة مراجعة وغربلة التراث والفقه الإسلامي، وكان شجاعاً في مواجهة ما في الخطاب الديني من "أصولية"، معتبراً إياها أمراً طارئاً وليس أصلاً ثابتاً، مفرقاً بين ما هو ثابت في الفقه وما هو متحرك، ومشدداً على ضرورة أن يكون الفقيه "مثقفاً" ملماً بالمعارف الحديثة، غير متقوقع على نفسه، أو منغلقاً على مذهبه.

عبارات كنت أسمعها بين فينة وأخرى من الفضلي، عندما يسأله شخص عن شيء، فيرد عليه "ما أعرف"، أو "أحتاج أراجع". كنت مستغرباً عندما سمعتها لأول مرة، فليس من عادة رجال الدين لدينا ألا يجيبوا، حيث كان ديدن الكثيرين منهم أن يفتوا في كل شاردة وواردة، إلا أن الفضلي رغم "فقاهته" المشهود له، وجمعه بين الدراستين الحوزوية والأكاديمية، فإنه كان متواضعاً في علمه، وكان مؤمناً أن على الفقيه ألا يفتي في الاقتصاد أو الطب أو أي شأن حياتي آخر، دون الرجوع لذوي الاختصاص من اقتصاديين أو أطباء وما شابه، كلٌ في مجاله.

في سنواته الأخيرة، عندما علت الأصوات المذهبية، والاستقطابات الطائفية، كان الفضلي شجاعاً في مواجهتها، ولم يخف من أن يرميه غلاة المتطرفين بعباراتهم "النابية".

وقف الفضلي مدافعاً عن رفيق دربه المرجع الديني اللبناني السيد محمد حسين فضل الله، مؤيداً الأخير فيما ذهب له في كثير من آرائه الناقدة لخطاب "السلفية الشيعية"، معتبراً أن الفكر الشيعي يجب ألا يخاف من النقد والمراجعات الذاتية، وألا يجامل في ذات الوقت المتعصبين من أبناء المذهب.

كان الفضلي رمز انفتاح وتسامح، ومثالاً للمرجعية الشيعية العربية، المؤمنة بضرورة اندماج الشيعة في أوطانهم، وحل جميع المشكلات عبر الحوار والتواصل، بدلاً من القطيعة والتنافر.

رحيل الفضلي، ومن قبله فضل الله، هو خسارة حقيقية لتيار الاعتدال الإسلامي، وتفويت لفرص ذهبية لبناء مرجعيات شيعية عربية، تؤسس لخطاب مختلف عن السائد، يقوم على الإيمان بالتعدد وحرية التفكير واحترام حقوق الإنسان، خطاب سعى كلٌ منهما في صوغ معالمه، ورحلا وفي داخلهما الكثير من القلق، قلق أن يختطف "المتعصبون" مجتمعاً بأكمله نحو التقوقع والجمود.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.