.
.
.
.

ملفّ النازحين ليس عابراً

نايلة تويني

نشر في: آخر تحديث:

في معرض الكلام عن النازحين، يردد حلفاء دمشق، ومعهم صحافة النظام السوري، ان سوريا استقبلت نازحين لبنانيين في جحيم حروبها علينا، وخلال الاجتياحات الاسرائيلية، وأثناء حروب الاخرين على ارضنا، نحو مليون في مراحل مختلفة من تاريخنا الحديث، وأنها وفرت لهم معاملة لائقة وخدمات انسانية، كما توفر لمواطنيها وللاجئين الفلسطينيين لديها.


قد يكون ذلك صحيحا وأكثر، ولسنا في وارد انكاره، أو رد الجميل للشعب السوري، الا بأحسن منه، لكن المشكلة تكمن في الارقام والامكانات، أي اللاقدرة الاستيعابية واللاقدرة الاقتصادية.


فلبنان أولا يعاني مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين قدموا اليه بصفة موقتة، وصاروا عنصرا دائما للتفجير ولتهديد الاستقرار، وتحولوا عبئا كبيرا اصاب كل القطاعات، ويخشى لبنان تكرار التجربة مع النازحين السوريين اذ استمرت الحرب الداخلية عندهم طويلا.


ولا تتعلق المشكلة ببعض الاراء الفلسفية عن العنصرية، ورفض الاخر، والتعصب، وآثار الماضي البغيض في العلاقات "الاخوية" بين البلدين والتي حولها النظام الاسدي وصاية واحتلالا، اذ لا يمكن تحميل الشعب السوري تبعات الممارسات الامنية والمخابراتية.


المشكلة اليوم تقرأ بالارقام. ان تستقبل سوريا 25 مليوناً أو 28 مليون نسمة فهذا أمر سهل عليها. ولكن ان يستقبل لبنان، مليوناً أو مليونين وفقاً لبعض التقديرات، يضاف الى نحو نصف مليون لاجىء فلسطيني، فذلك يعني 50 في المئة من تعداد سكان لبنان، مما يعني تصدعا في بنيته، وفي استقراره الامني والاقتصادي والاجتماعي والصحي، وهي أمور بدأت تبرز تباعا.


ولا أظن ان لبنان أكثر قدرة من تركيا والاردن وغيرهما من الدول التي حددت اعداد الوافدين اليها وفق امكاناتها، والمساعدات العربية والدولية المتوافرة لها. وحده لبنان، يمضي بالمزايدة السياسية بين مكوناته، فلا يضع خطة ولا يحدد توجهاته للمرحلة المقبلة.


قد يكون لبنان اجتاز الازمة الحالية للنازحين، او انه يهرب الى الامام من تلك التبعات، لكنه لن يكون قادرا على ذلك اذا طالت الازمة اكثر، وستنعكس ازمته على مواطنيه وعلى الوافدين واللاجئين اليه.


ان النداء بل النداءات التي اطلقها رئيس الجمهورية في هذا الخصوص ليست عنصرية، ويجب ألا يخيفنا اطلاق التهم جزافا على لبنان دون غيره من الدول، لان مطلقي هذه التهم يزايدون في السياسة، ويطمحون الى مكاسب آنية ومصالح انتخابية لا ترقى الى مستوى الوطن.
لذا يجب التحرك قبل فوات الاوان، ولتعقد طاولة الحوار اليوم لمعالجة هذا الملف.

*نقلاً عن صحيفة "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.