.
.
.
.

الفكرة الغائبة

عمرو خفاجي

نشر في: آخر تحديث:

تبدو أزمة القضاة كاشفة لعمق الأزمة السياسية ولمشكلة فهم النظام الحاكم لطبيعة الحكم، فحينما قررت الجماعة ان تخرج فى تظاهرات تتحدث عن ضرورة تطهير القضاء، فهى فى ذات اللحظة تكشف ان ما تريد ان تفعله عبر استخدام وسائل الحكم المعتادة يحتاج الى شرعية أخرى وهى شرعية الشارع والجماهير، وهو ما يعنى ان ما تريد ان تفعله ناقص الشرعية او غير مقنع للرأى العام لذا بحثت عن أى تعضيد، لأنها تفهم بعض الشىء ان القضاء مؤسسة مستقلة وان العبث بقوانين هذه المؤسسة من الامور المزعجة والمستنكرة من الجميع، كما يرى البعض انه يحتاج للسيطرة على هذه المؤسسة لشعوره بالعجز فى تنفيذ مخططات حكمه، وانه يبحث عن المزيد من السيطرة، لأنه لديه شعور دائم ان هناك مقاومة من جميع المؤسسات لقراراته.

الاخوان ذهبوا الى القضاء ومؤسسته الراسخة فى محاولة ليس فقط للاشتباك مع اعضاء هذه المؤسسة، بل لخوض معركة سياسية مع جميع الاطراف، وهو ما حدث بالفعل لتشتعل الامور بعد ان كانت قد هدأت بعض الشىء، وكأن هناك من يرغب فى ذلك بالفعل، متناسيا وهو يشكك فى هذا القضاء، انه يشكك فى شرعية الرئيس وشرعية الاغلبية التى حصلت عليها الجماعة سواء فى مجلس الشعب او مجلس الشورى، فالقضاء هو الذى اشرف على كل ذلك، بل ان ذات المؤسسة هى التى كانت تمنح اعضاء هذه الجماعة الحماية القانونية وقت ان كانت ملاحقة ومطاردة، فما الذى حدث وجعل هذه المؤسسة تحتاج الى تطهير واعادة هيكلة، بعيدا عن اصحاب الشأن، فلا نملك هنا سوى اجابة اجبارية، ان الجماعة تبحث عن الهيمنة على هذه المؤسسة التى تعرف يقينا انها مستقلة وعادلة بدليل مواقفها مع الجماعة ذاتها قبل الثورة وبعدها.

والاهم فى قراءة ملف تجاوز الاخوان مع مؤسسة القضاء، ان ذلك يعكس فلسفة النظام فى التعامل مع فكرة المؤسسات بشكل عام وليس فقط مؤسسة القضاء، فهو يراها مؤسسات غير راغبة فى التعاون معه، وبالتالى فتحجيمها واجب للاستمرار فى الحكم بالطريقة التى يتمناها، وهذا تحديدا هو الذى لن يمكن الاخوان من الحكم، لأن مصر دولة راسخة تم بناؤها سواء فى المراحل القديمة، او فى المراحل الحديثة (محمد على وما بعده) على فكرة المؤسسات، سواء مؤسسات أمنية او قضائية او بيروقراطية، ويرى الكثير من اساتذة السياسة ان الادارة الرشيدة لأى حاكم مصرى كانت نتاج طبيعة علاقته بمؤسسات الدولة، وهى الفكرة الغائبة تماما عمن يديرون امور الحكم الآن.

ازمة القضاء ربما تمر، لكن هذا لا يعنى ابدا، ان الحكم قد استقر، فلن تشهد مصر اى استقرار حقيقى الا بعد التصالح مع جميع مؤسسات الدولة، والشعور بالرضا الكامل من افراد هذه المؤسسات تجاه نظام الحكم حتى يمكن ان تعود هذه المؤسسات لسابق عهدها فى ادارة الدولة المصرية كما اعتادت، وهذا ما يجب ان تفعله الجماعة ويقدم عليه الحزب، لكن استمرار غياب فكرة الدولة فهذا لن يؤدى الا الى مزيد من الخشونة فى العلاقات بين اعمدة الدولة الرئيسية ونظام الحكم.


*نقلا عن صحيفة "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.