.
.
.
.

كيف نقرأ حادثة بوسطن؟

أحمد العيسى

نشر في: آخر تحديث:

كان مقـرراً وصـولـي – مع بعض الزملاء - إلى مدينـة بوسطن الأميركية في الـسـاعة الخامـسـة عـصـر يـوم الاثـنين 15 نيـسان (أبريل)، ولكن شـاء المولى عز وجل أن تتـأخر رحـلتــنا مـن دبـي إلـى نـيـويــورك ثـلاث سـاعـات، مـا أدى إلـى تـغـيـيـر موعد رحلـتنا المـواصـلـة مـن نيويورك إلى بوسـطن إلى الساعة الـثامنة مساء... وصلتنا أنباء الانفجارين اللـذين حصلا في نهاية سباق الماراثون السنوي في بوسطن ونحن على متن الطائرة المتجهة إلى نيويورك، ما أثار فـينا القلـق حول تـداعيات الحادثـة على الإجـراءات الأمـنية في المطارات وفي المدينة التي سـنمـضي فيهـا يومين، وقد زادت من حـدة الـقـلق الأنـباء التي ذكـرت أن هـناك طالبـاً سـعودياً مشـتـبهاً بأن لـه صـلـة بالحـادثة، وأنه يـرقد في المسـتشفى جـراء الانـفـجـار.

تجاوزنا إجراءات الجوازات في مـطار جـون كنـيدي في نيويورك في شكل اعتيادي ومن دون تـأخـير، فكان ذلـك مـحل ارتياح كبـير، ثم وصـلنا إلى بوسـطن في نـحو السـاعة التاسعـة مـساء واستـقلينا سيارة الأجرة إلى الفندق الذي يقع بالقرب من موقع الانفجارين. كان الحضوران الأمني والإعلامي لافتين. فرجال الأمـن في كل مكان، وسيارات النقل التلفزيوني تـقف في الشوارع المحـيطة بالـفندق، وبسبب إغلاق الشوارع الموصلة إلى الفندق، طلب منا السائق النزول في شارع فرعي على بعد مئات الأمتار، فسحبنا حقائبنا إلى الفندق وسط رجال الأمن وسيارات الإعلام. وعند البوابة الرئيسـة، طلب منا رجال الأمن تفتيش الحقائب، فحصل ذلك في شكل سريع ومن دون تدقيق كبير، ثم سمح لنا بالدخول إلى الفندق من دون سؤال عن هويتنا، ولا عن هدفنا من الزيارة، أو أي تفاصيل أخرى.

صباح اليوم التالي، غادرنا إلى حيث تجرى اجتماعاتنا، ثم قمنا بزيارة إلى معمل تقنية الاتصال في معهد ماساشوسيتس للتقنية MIT Media Lab، وكذلك الحال في اليوم الآخر الذي قمنا فيه بزيارة بعض المدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى. خلال تلك الزيارة القصيرة، وخلال ثلاثة أيام قضيتها في ما بعد في نيويورك، حرصت على عدم الاستغراق في متابعة تفاصيل الحادثة عبر القنوات التلفزيونية الأميركية، فقد كنت أكتفي بنحو خمس دقائق في الصباح ومثلها في المساء لمشاهدة أبرز التطورات، ثم أغلق التلفزيون وأنصرف إلى عملي، وذلك رغبة مني في أن أحافظ على هدوء نفسي وذهني خلال الزيارة. وعلى رغم ذلك، فإن الحديث عن هذه الحادثة المؤسفة كان حاضراً – وإن كان في شكل عمومي وتلقائي – في أحاديثنا الجانبية مع مستضيفينا من الجانب الأميركي. من جانب آخر، كانت تطورات الحادثة وردود الفعل المتباينة تصلنا أيضاً من خلال تصفحنا لمواقع وسائل الإعلام العربية، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي، ما منحني فرصة للمقارنة بين ما شاهدته على أرض الواقع، وبين ما يكتب ويعبّر عنه في العالم الافتراضي.

الذي يسير في الشارع ويقابل الناس ويجتمع معهم، يعرف أن هنـاك أسفـاً بالغاً على هذه الحادثة، وقلقاً ما حول أسـبابها والجهة التي تقف وراءها. وأهالي مدينة بوسطن يستغربون أن يحدث هذا في مدينتهم التي يرون أنها قبلة الجامعات والبحث العلمي في أميركا، وتـعيـش فيهـا نخـبة المجتمع الأميركي من أسـاتذة وطلاب ومؤسـسات وشـركات، إضافة إلى الآلاف من الأجانب الذين وفدوا للدراسة أو للعمل. وعلى رغم الأسف والقلق هذين، إلا أن أحكام الناس الذين تحاورنا معهم لـم تكن محكومة بخلفيات عنصرية أو أيديولوجية، ولم نسمع أي تسرع في الأحكام حول اتهام جهات معيـنة بالحادثة، بل إن الانطباع الذي كان سـائداً في اليـومين اللـذين قضينـاهمـا في بوسطن وقبل الكـشف على اسـم الأخـوين الـمشتبه بهـما، هو أن هذا من صـنع جماعات إرهابية محلية وليست خارجية.

في الجانب الآخر، كانت وسائل الإعلام الأميركية، خصوصاً القنوات التلفزيونية - ومن منطلقات مهنية وسياسية - تحاول أن تنبش في كل صغيرة وكبيرة في شكل درامي مثير في محاولة لكسب المشاهد وربطه بتفاصيل الحدث، ما أدى، كما هو في حالات أخرى مشابهة، إلى تكوين رد فعل أعلى مما يحتمله الحدث Over Reaction في سياقه الاجتماعي والسياسي والإعلامي، وقد رأينا كيف كان الاستنفار الأمني الرهيب بوجود أكثر من تسعة آلاف عنصر من مختلف الأجهزة الأمنية للقبض على شخص واحد، وهو شاب مراهق ومصاب في الوقت نفسه، هذا الاستنفار يأتي – في تقديري - كرد فعل على التغطية الإعلامية أكثر من أن يكون لاعتبارات أمنية حقيقية على أرض الواقع.

بعض وسائل الإعلام العربية من جهة ثالثة وقعت في الفخ – كالمعتاد – في ملاحقة تفاصيل الخبر من خلال ما تبثّه وكالات الأنباء العالمية ووسائل الإعلام الأميركية، في محاولة لتقليد تلك الوسائل في خلق جو من الإثارة والدراما في سياق مختلف تماماً، من دون تمييز في ما إذا كانت تلك التفاصيل تهم بالفعل المشاهد العربي، أم أنها فقط تساهم في نبش كل الخلفيات الثقافية والفكرية السلبية، وكل المبالغات، والمؤامرات التي تفتك بعقل الإنسان العربي منذ أن استفاق على كارثة تخلّفه الحضاري أمام حضارة حية ومتنوعة ومتفوقة في جوانبها المادية والإنسانية كافة.

جاءت ردود فعل الشارع العربي من خلال ما يعبّر عنه في مواقع التواصل الاجتماعي بمزيج من المبالغة والتشكيك والاتهام. ففور نشر خبر عن الاشتباه بتورط طالب سعودي في الحادثة، حتى أصبح مادة غزيرة من التعليقات والاتهامات والتجاذبات بين مختلف التيارات. والتحذيرات من البـيئة المعادية للمسلمين في أميركا كانت عالية، وأصبحت تؤخذ كحقيقة على أرض الواقع، وهي بالتأكيد غير ذلك، والبعض سارع إلى ربط الحادثة بتداعيات سياسية عربية ليـثبت نظريـة المؤامرة... وهكذا.

كنت أستغرب وأنا أتجوّل بسلام ووئام وانسجام في شوارع نيويورك، تلك التحذيرات التي كانت تصلني من الأهل ومن بعض الأصدقاء، حول خطورة الوضع، ونصائحهم لي بتوخي الحذر، فأجهزة الأمن الأميركية لا بد من أن ترصد كل صغيرة وكبيرة، والناس في الشارع لا بد من أنهم ينظرون إليك وكأنك مشتبه به، وغير ذلك من التحذيرات... كنت أردد في نفسي أن كل ما يختلج في صدوركم يشعرني بالحب والحنان، ولكن ما تخافون منه فهو يعيش بينكم، ولا يعيش بين الناس هنا، فالشارع هنا متعدد ومتنوع وتكاد تقابل في كل خطوة أناساً من مختلف المشارب والألوان والجنسيات، وكل يسير في طريقه نحو مبتغاه.

نتيجة لذلك، فإن نصيحتي للقارئ الكريم أن يحاول تحرير نفـسـه من الاستغراق في الأحداث السـياسية والأمنية الطارئة، وأن يقرأ كل حادثة في إطارها المحدود زمانياً ومكانياً من دون أن يـجهد نفـسه وعـقله في استنتاجات بعيدة، ومــستـغرقة في الخيال. فالحياة أبـسـط مـما يتـوقع، وكما أن هـناك قـلة من الأشـرار الذين يبـحـثون عـن إيذاء الآخرين، إلا أن الغالبية من الناس، وفي كل مكان من العالم، هم أشـخاص مـسالمـون يـريـدون أن يـعيـشوا بـسلام ووئام، والغالبية يريدون أن يتعلموا منك ويتعاملوا معك بود واحترام... فكن «كشجرة طيبة أصـلها ثـابـت وفـرعـها فـي السماء»، وخيرها في العالم، ولا تـكن «كــشجرة خبـيثة اجتـثت من فـوق الأرض مـا لـها من قرار».

نقلاً عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.