فاتورة جديدة لثورة مصر

حسين شبكشي
حسين شبكشي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

الولايات المتحدة تدرك تماما أنها بوسائل الإعلام والترفيه من أفلام ومسلسلات تلفزيونية ورياضية وبرمجيات إلكترونية ومنتجات تجارية استهلاكية تستطيع السيطرة والتأثير على «قطيع» من الأمم والشباب حول العالم من دون الحاجة للاستعمار والاحتلال والغزو بالعتاد والسلاح والجيوش والعسكر. هذا ما يطلق عليه لفظ «القوى الناعمة» وهو ما يحصل بشكل مغاير من الأناقة والفخامة الفرنسية والإبداع الإيطالي والإتقان الألماني، كلها عناصر مؤثرة على المجتمعات الدولية نظرا لتركها أثرا على شعوب وأمم مختلفة عنها تماما في التقاليد والفكر والثقافة بشكل عام وخاص.

وفي المحيط العربي يبدو هذا المثال صارخا جدا بالنسبة لمصر، الدولة العربية الأكبر. فمصر لديها قدرة قوية وعالية التأثير فيما يخص القوى الناعمة التي تملكها، فالأفلام والأغاني والروايات والكتب والمسرحيات والمسلسلات وأبطال الرياضة والساسة كانوا دائما مادة دسمة ومقررة على مائدة الملتقى العربي من المغرب إلى سلطنة عمان. فكل هذه المنتجات الفكرية كانت عناصر مؤثرة جدا في تكوين الشخصية العربية وتحديد بوصلة «الذوق» فيها والتيارات الفكرية والميول.. وغير ذلك.

وطبعا كان هناك الأثر السياسي كذلك، فمن مصر خرجت تجربة قوية باسم عبد الناصر تركت أثرا مثيرا للجدل إلى اليوم. ولكنها أيضا أخرجت تجربة جريئة في عملية السلام، وهي أيضا مسألة لا تزال تثير الكثير من الجدل الكبير حتى اليوم. وكانت مصر بالجامع الأزهر رمزا للوسطية الإسلامية الحقيقية ومنارة التنوير الإسلامي للعالم بأسره. والإذاعة المصرية والإعلام المصري عامة (بحلوه ومره) كان أهم الوسائل المؤثرة على العقل العربي قبل الفضائيات وعوالم الإنترنت.

ولكن مع مرور الوقت بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) المصرية أحس الكثير من المصريين بأن بلدهم فقدت الكثير جدا من عناصر القوى الناعمة المؤثرة (وإحقاقا للحق فإن هذه المسألة كانت تبحث في السنوات الأخيرة من حكم مبارك).

ولكن الآن يبدو أن المسألة تأخذ حيزا بالغ الأهمية. فالتطرف الفكري «الغريب» الذي يتصدر المشهد الديني والانحسار الشديد في الإنتاج الفكري والفني والتخبط الإعلامي الواضح أصبح مثار قلق بالغ الأهمية للمثقفين المصريين. فالعرب كانوا دوما يعلمون أن مقالا أو كتابا للفذ جلال أمين هو أهم ما يمكن قراءته كتحليل سياسي اقتصادي أو سياسي اجتماعي، وكذلك الأمر بالنسبة لرواية بقلم علاء الأسواني فيها إسقاط واقعي وتشريح دقيق لحال المجتمع، وإذا ما رغبت في التطلع إلى استشراف اقتصادي فليس هناك أقدر من حازم الببلاوي لتقديم تفصيل لفك طلاسم ما يحدث، وهل هناك أعلم في شؤون الدين الإسلامي اليوم من شيخ الأزهر أحمد الطيب لتؤخذ منه الشورى والفتوى؟

هذا النوع من الثقل والمكتسب التراكمي للإرث الفكري المصري بات مهددا بسبب فوضى الثورة في مصر التي تأكل نفسها بشكل حزين ومقلق. رصيد القوى الناعمة يتقلص في مصر ويذهب لصالح آخرين تباعا، يأخذ مكانه دول مثل تركيا وقطر والإمارات وإيران والولايات المتحدة الأميركية، كل بحسب وضعه وبحسب دوره وبحسب إنجازاته، ولكن كل دولة من هؤلاء تأخذ حصة من رصيد مصر المتعلق بالقوى الناعمة.

خسائر مصر بعد الثورة يتم التركيز عليها في مسائل الأمن والطغيان السياسي والتسلط واستحواذ السلطة و«أخونة» النظام وصراعات الجيش والقضاء والإعلام مع السلطة، ولكن وسط هذا الجدل كله تبدو الخسارة التي لا تلقى نفس القدر من الاهتمام والتغطية هي خسارة مصر المستمرة لموقعها وتأثرها الكبير. وهي مسألة متى ما فاق المصريون من سكرة الثورة التي يمرون فيها بكل ألم ومرارة فسيعلمون تماما أن هذه هي الخسارة الأكبر والأكثر إيلاما. يبدو أن فواتير الفوضى الحاصلة في مصر اليوم لا تزال تظهر وتقدم لمتابعيها المفاجآت، وعلامات الاستقرار تبدو حتى الآن بعيدة.

نقلاً عن "الشرق الأوسط" السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط