.
.
.
.

بوتفليقة ... المسار والجدل

عبد العالي رزاقي

نشر في: آخر تحديث:

تثير صحة الرئيس بو تفليفة جدلا سياسيا في الجزائر والخارج حول مدى قدرته على تسيير الشأن العام للبلاد وهل سيكمل عهدته ويواصل العهدة الرابعة أم يتخلى عن الترشح ومن يجرؤ على تطبيق المادة 88 من الدستور؟ أسئلة كثيرة تتبادر إلى الأذهان والإجابة عنها تتطلب التوقف عند أهم محطات مساره منذ كان يافعا لغاية توليه الرئاسة 1999م.

الشاب الذي عيّن بن بلة رئيسا؟

عندما كان المرحومان عبد الحفيظ بوصوف وعلي كافي في مهمة خاصة بالمغرب تعرّفا على والدة عبد العزيز بوتفليقة فطلبت منهما أخذه معهما للدراسة لأنه كان متشبثا بهما، وفعلا ألحق بوفد البعثة الجزائرية بسويسرا للدراسة لكن حبه للثوار جعله يلتحق بقيادة جيش الثورة في الولاية الخامسة ليصبح فيما بعد مقربا من العقيد هواري بومدين ومن ثمة انتقل إلى تونس ليكلف بمرافقة من حكمت عليهم الثورة في قضية "لعموري" بالعمل في الحدود الجزائرية المالية وبذلك أصبح يطلق عليه عبد القادر المالي، وأثناء تأزم الوضع بين الحكومة المؤقتة وقيادة الأركان برئاسة العقيد هواري بومدين عيّن في مهمة سريّة للاتصال بالزعماء الخمسة لإقناع احدهم بتولي رئاسة الجزائر.

عندما التقيته أول مرة عام 1984م كان ذلك في مقام الشهيد، حيث كان من بين الحاضرين في ندوة فكرية حول حجز الكتب في الجزائر شاركت فيها إلى جانب الروائي رشيد ميموني وبعدها جلسنا في مقهى بمقام الشهيد، ومن يومها بدأت أتردد على بيته بأعالي العاصمة وكنت أسعى لتحضير كتاب حول الرئيس هواري بومدين لكنه رفض الحديث عنه، وأبدى رغبته في الحديث عن قضايا عاشها أثناء وجوده في السلطة وأخرى خارجها، وكشف لي عن مضمون مهمته لدى الزعماء الخمسة التي تتمثل في إقناع محمد بوضياف بالالتحاق بقيادة الأركان لتولي مهمة رئاسة الجزائر بعد إطلاق سراحه (حسب اتفاقيات إيفيان) لكنه تحفظ ممّا استدعى اقتراح حسين آيت أحمد بدلا عنه لكن هذا الأخير اعتبر ذلك انقلابا على الحكومة المؤقتة إلاّ أن أحمد بن بلة احتضنه وأبدى له رغبة في تأييد القيادة العسكرية، وهكذا كان سيناريو تعيين بن بلة رئيسا بفضل دعم بوتفليقة مما أثار جدلا سياسيا حول شرعية حكم بن بلة بعد الانقلاب على الحكومة المؤقتة، وانفراد جماعة تلمسان بالحكم والذي أطلق عليهم اسم "مجموعة وجدة" لكن بوتفليقة عندما شعر بأن بن بلة يريد الاستيلاء على السلطة أقنع العقيد هواري بومدين بالإطاحة به مما أثار جدلا آخر حول شرعية حكم هواري بومدين؟.

أغلب رجال الثورة الجزائرية الذين ولدوا في المغرب أو تونس أخذوا الجنسية الجزائرية بعد استرجاع السيادة والكثير من المجاهدين كانت لهم أسماء مستعارة البعض استرجع اسمه الأصلي والبعض الآخر حافظ على اسمه الحركي إلى جانب اسمه الأصلي مثل هواري بومدين المدعو محمد بوخروبة لكن عبد العزيز بوتفليقة تخلى عن اسمه الأصلي "بن لزعر عبد العزيز" (النهار 15 أفريل 2005م) فلماذا ..؟.

.

20 سنة خارج السلطة؟

ارتبطت صورة بوتفليقة في الأذهان بـتأبينية الرئيس هواري بومدين التي كتبها علي بن محمد ومسحة الحزن التي ظهرت عليه أثناء قراءتها، كان الصراع محتدما بين أنصار محمد الصالح يحياوي وأنصار عبد العزيز بوتفليقة حول من سيخلف الراحل بومدين غير أن المرحوم قاصدي مرباح حسم الصراع بتعيين الشاذلي بن جديد الذي بدأ عهده بفتح ملف مرحلة بومدين حيث أحيلت رموزها على مجلس المحاسبة وتم التضييق على الكثيرين منهم.

حدّثني بوتفليقة بالتفاصيل المملة عما لحقه من الأذى بدءا من إحالته على لجنة الانضباط برئاسة عبد الله بن عودة الذي شهدناه يبكي وهو يقلد بوتفليقة وساما عام 1999م أثناء تنصيبه رئيساً مرورا باستيلاء زيتوني على مسكنه (فلته) التي قام ببيعها بعد عودة بوتفليقة إلى السلطة والتي لم يبق منها إلا جدرانها شاهدة على ما حدث وانتهاء برفض الدكتور بوعلام بن حمودة طلب بوتفليقة استرجاع عضويته في اللجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني التي رشحته رئيسا شرفيا لها وكيف تم إبعاد بن حمودة من أمانتها وتعيين علي بن فليس خلفا له.

.

لغز بو تفليقة؟

عندما ارتفعت وتيرة العنف في الجزائر عام 1994م تحركت المؤسسة العسكرية للاستنجاد ببوتفليقة إلاّ أنه رفض أن يكون مرشحا لـ"أحزاب السلطة وجمعياتها" ممّا جعلها تختار وزير دفاعها اليمين زروال رئيسا للجزائر وعندما لم تتمكن من كسب المساندة الدولية عادت مرة أخرى للاستنجاد ببوتفليقة سنة 1999م فقبل بشرط واحد وهو الفوز بالأغلبية في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي تميزت بانسحاب منافسيه.

عمل بوتفليقة جهدا كبيرا في الاتصال الجواري بقادة الأحزاب لدعمه كما كلّف رئيس حملته الانتخابية أن يسعى إلى كسب دعم الشخصيات الوطنية له، وكنت حاضرا عندما زار علي بن فليس رفقة عبد العزيز جراد الرئيس علي كافي في بيته للحصول على تأييد ترشح بوتفليقة غير أنه رفض الافصاح عن موقفه.

كان المتحمسون للعهدة الأولى ممن يحسبون على الأحزاب اليسارية والجهوية بينما الأحزاب الموسومة بالكبيرة كانت تسييرها " تاقارا" بـ"المهماز" وتمكن بوتفليقة من الهيمنة على أصحاب القرار بعد كسب ثقة الشعب فيه باسترجاع الأمن وتسديد ديون الجزائر وتدعمت هذه الثقة أكثر بعد "ملحمة أم درمان" الرياضية.

أذكر أن الصحفية ليلى شيخلي دعتني إلى عشاء عندما نزلت ضيفة على الرئاسة لإجراء حوار تلفزيوني مع بوتفليقة وحدثتني عن إعجابها به لمصارحته الشعب بأنه أعزب مثل فيدال كاسترو وطلبت مني التعقيب على الحوار الذي أجرته معه لكني فضلت أن يكون مكاني شخص مثل الدكتور محيي الدين عميمور.

تعددت مسارات الرئيس بوتفليقة التي أثارت الجدل وما تزال تثيره وربما تكون مرحلة مرضه هي الأكثر نقاشا بين أصحاب القرار لكن يبقى السؤال ماذا سيكون الموقف بعد عودته وما الهدف من افتعال مشكلة بينه وبين شقيقه؟ ومن المستفيد منها؟.

*نقلا عن "الشروق" الجزائرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.