ديمقراطية الدم

أمجد عرار
أمجد عرار
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

شيء من التعامي ألا يرى المرء ارتباطاً وثيقاً بين العدوان “الإسرائيلي” الأخير على سوريا وتصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما عما أسماه حق “إسرائيل” في حماية نفسها من نقل أسلحة سورية إلى لبنان . هذا “الحق” في العدوان لا يقرّره سوى “إسرائيل”، فهي التي تضع الخطوط الحمر وتحدّد متى يتم تجاوزها، وأمريكا تغطي هذا الباطل المسربل بلباس “الحق” .


ليست سوى مضيعة للوقت محاولة البحث عن سبب لعدوان “إسرائيلي”، أو للدعم الأمريكي له، فضلاً عن تعامل البعض معه على نحو ساخر . ولعل نظرة ناشط أو ناشطة في أمريكا لعدوانية هذه الدولة، أشد وضوحاً من رؤية بعض العرب . إحدى الناشطات الأمريكيات قالت في مؤتمر عام إن كل المجازر ارتكبت باسم الأمريكيين، وإن تسعين في المئة من ضحايا الحرب منذ الحرب العالمية الثانية هم من المدنيين غير المسلّحين، وثلثهم من الأطفال . هذه الناشطة تدرك وتقر أن “ضحايانا لم يسيئوا لنا من أفغانستان إلى العراق إلى الصومال وأي هدف تال” . كم هو تشخيص شفاف وموضوعي أن تنبّه الأمريكيين بأن الشعوب التي تتعرض للعدوانية الأمريكية لا تكره أمريكا بسبب حريتها، بل لأنها في كل يوم تموّل وترتكب الجرائم بحق الإنسانية .


واضح في خلد كل أمريكي يتسم ببعض التبصّر، أن الحرب المزعومة ضد الإرهاب هي غطاء للاعتداء عسكرياً وتأمين السيطرة على ثروات الشعوب وإرسال مساكين من بلاد لقتال مساكين في بلاد أخرى . إنها تجارة دم وإبادة جماعية . إن نظرة إلى التواطؤ الإجرامي الخطر ضد الإنسانية في بعض البلدان، والانتهاكات المستمرة لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، تدفع للتساؤل” كيف لأي مواطن أمريكي أن يتجرأ على انتقاد عمل المقاومة المشروع ضد الاحتلال غير المشروع؟


هذا الإدراك دفع عدداً من الامريكيين لمكافحة الظلم والتصدي لإمبراطورية الظلم ومطالبتها باحترام الإنسانية، فهؤلاء باتوا يفهمون أن من يوصمون بالإرهاب والتمرّد إنما يتصدون للاعتداءات أو السرقة من جانب القواعد الغربية، وأن المدنيين الذين يواجهون الأسلحة الأمريكية ليس لديهم خيار، لكن الجنود الأمريكيين لديهم خيار، فهم لا يضحّون من أجل واجب وطني مشرّف، لا يحاربون من أجل أمريكا إنما من أجل حياتهم وحياة أصدقاء إلى جانبهم، إنهم لا يدافعون عن حرية الأمريكيين . إنهم دائماً على أهبة الاستعداد داخل أربع عشرة قاعدة عسكرية للدفاع عن مصالح شركات كبرى . إنهم لا ينشرون الديمقراطية، بل قواعد الاحتلال الاقتصادي كامتداد للاحتلال العسكري . هذه الناشطة بدت كمحامية ناجحة وهي تضرب مثلاً بالعراق الذي عانى شعبه، بفضل “المساعدة” الأمريكية، الدمار والتفجيرات والمداهمات وحظر التجوّل وهدم المنازل والقتل بالجملة .


كان لسانها يقطر إنسانية وهي تطالب برفع الصوت دفاعاً عن الشعب العراقي الذي يقاوم ويتحمل ما حملته لهم أمريكا خلال حملة دموية رهيبة، وبدعم الأمريكيين المناهضين للحرب، باعتبارهم أبطال الجيش الحقيقيين . وتستشهد بفريدريك دوغلاس الذي عاش في القرن التاسع عشر، وكان عبداً تحرر وتحوّل إلى كاتب ضد العبودية، ومما قال إن “أولئك الذين يقولون إنه يجب تعزيز الحرية يجهلون الدستور، هم أناس يسرقون الحصاد من دون أن يحرثوا الأرض، يريدون المطر من دون برق ورعد، ويريدون المحيط من دون إعصار . من دون عدالة لا يوجد سلام” .

*نقلا عن صحيفة "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.