.
.
.
.

لك الله يا مصر؟

علي السلمي

نشر في: آخر تحديث:

اعتدت فى مقالاتى الأخيرة أن أنهى المقال بدعاء «لك الله يا مصر»، ولكننى أجدنى مضطراً أن يكون ذلك الرجاء هو عنوان مقال اليوم، فقد كان الأمل بعد ثورة الشعب على النظام الاستبدادى السابق أن يأتى النظام الجديد «المنتخب ديمقراطياً» مختلفاً عن سابقه! ولكن لم يهنأ الشعب بثمار ثورته ولم تُحقق أهدافها، كما لم يتم التحول الديمقراطى الموعود! وأصبح نظام «الرئيس المنتخب» امتداداً للنظام السابق الذى ثار عليه الشعب.

ومن مظاهر النظام السابق التى ما زالت تميز نظام حكم «الرئيس المنتخب» عدم الشفافية وإنكار حق المواطنين للمشاركة فى صياغة السياسات وصنع القرارات، ناهيك عن معرفة أسباب ودواعى ما يتم إصداره من قرارات أو ما يتم الرجوع عنه! ويكاد حكم «الرئيس المنتخب» يتفوق على سابقه فى ممارسة «العناد» مع الشعب، فهو يصر إصراراً عجيباً على التمسك بقرارات ثبت خطؤها بأحكام قضائية، ولا يتورع عن الاستمرار فيها رغم الرفض الشعبى والسياسى العام حتى من المتحالفين معه. والمثال على هذا إصرار «الرئيس المنتخب» على بقاء النائب العام المرفوض شعبياً وسياسياً وقانونياً برغم الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا ببطلان تعيينه وأحقية النائب العام السابق د. عبدالمجيد محمود فى العودة إلى منصبه! ويتجلى «العناد» الذى امتد إلى النائب العام المحكوم ببطلان تعيينه بطعنه على حكم بطلان تعيينه وطلبه رد الدائرة التى من المقرر أن تنظر فى طلب د. عبدالمجيد محمود منحه الصيغة التنفيذية للحكم حتى يتمكن من العودة إلى منصبه الذى أُقيل منه بغير سند من قانون أو دستور!

وعادة ما يصاحب «العناد» خاصية سلبية أخرى وهى «الاستعلاء» أو «الاستكبار»، وقد كانت تلك الخاصية سمة لنظام الحكم السابق الذى تميز بدرجة من الاستعلاء على الشعب لا يضاهيها إلا نظام الحكم الجديد بعد الثورة!

ويتميز الحكم الجديد بعدم الاكتراث بمعارضيه وتجاهل ما سبق له أن وعد به الشعب بإعمال «المشاركة» وليس «المغالبة»، فكل سياسات وقرارات الحكم الجديد تتصف بكونها نابعة من فكر جماعة الإخوان المسلمين من دون اعتبار لآراء القوى والأحزاب السياسية الوطنية ولا الرأى العام لأغلبية المصريين. ويكفينا للتدليل على هذه الحقيقة مسلسل الاستقالات من أعضاء الفريق الرئاسى الذى كان أولهم نائب رئيس الجمهورية، حيث لم يشاركوا ولم تتم استشارتهم فى أخطر القرارات التى اتخذها «الرئيس المنتخب» والتى تسببت فى حالة من الاحتقان والانقسام الوطنى ومنها إعلانات نوفمبر «غير الدستورية»، والقرارات بقوانين التى أصدرها «الرئيس المنتخب»، من دون أخذ رأى مستشاره القانونى فؤاد جاد الله وفقاً لخطاب استقالته مساء الأحد 9 ديسمبر 2012 وتم نشرها فى الجريدة الرسمية بتاريخ سابق فى 6 ديسمبر 2012، وهى الخاصة بتعديلات قوانين ضرائب الدخل والضريبة العامة على المبيعات الضريبة على العقارات المبنية وضريبة الدمغة، والتى اضطر الرئيس إلى تجميدها بعد ساعات قليلة من إصدارها خوفاً من رد الفعل الشعبى لما كانت تلك التعديلات الضريبية تتضمنه من زيادات فى أسعار كثير من السلع الأساسية.

كذلك شملت الاستقالات عدداً من مساعدى الرئيس ومستشاريه وآخرهم المستشار القانونى للرئيس ووزير العدل. وكان العامل المشترك فى قرارات الاستقالة لمعاونى «الرئيس المنتخب» أنهم لا يشاركون فى صنع سياسيات أو صياغة قرارات الحكم، بل على العكس إنهم وبرغم تخصصاتهم كانوا يفاجأون بقرارات كارثية تُتخذ دون علمهم، كما أكد المستشار أحمد مكى وزير العدل المستقيل حتى الآن أنه فوجئ بإعلان 21 نوفمبر 2012 وأنه يعتقد أن الرئيس قد أخطأ فى إصدار ذلك الإعلان الذى أثار حالة غير مسبوقة من الانقسام والاحتقان فى الشارع السياسى المصرى وفى أوساط الأسرة القضائية. كما جاءت استقالة المستشار فؤاد جادالله كاشفة عن نفس المعنى بأن «الرئيس المنتخب» لا يستشير مستشاريه، ولكنه يعتمد على مصادر غيرهم وأنه، أى جاد الله، تبرأ من المشاركة فى إقالة النائب العام السابق فى المرة الأولى والتى تراجعت عنها مؤسسة الرئاسة بعد ذلك، مؤكداً أنه «لم يكن على علم ولم يتم التشاور معه أو أخذ رأيه فى هذا الصدد من قبَل الرئيس أو أى فرد من المؤسسة الرئاسية». ونعى المستشار جاد الله على الحكم الحالى عدم مشاركة باقى التيارات فى صنع القرار وعدم توزيع المسئولية وعدم الاعتماد على أصحاب الخبرة والكفاءة والاعتماد على أصحاب الثقة فقط وتهميش وإقصاء باقى التيارات والعجز عن إجراء حوار وطنى وتهميش الشباب وإقصائهم، وجاء فى خطاب استقالته التحذير من «انفراد الجماعة وتغولها على الرئيس والحكم».

ونصل إلى قلب مشكلة الحكم الجديد وهى النكوص عن الوعود التى قطعها «الرئيس المنتخب» على نفسه وضمّنها فى برنامجه الرئاسى وخطبه ولقاءاته على الفضائيات، ذلك أن الرئيس «المنتخب» وعد الشعب بأنه عازم على تحقيق أهداف ثورة 25 يناير (عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية)، وقطع على نفسه التزاماً بأن حقوق شهداء الثورة والمصابين وأسرهم «أمانة فى رقبته»، كما وعد والتزم بتفعيل التحول الديمقراطى إلى الحد الذى اتخذ له مساعداً هو المفكر السياسى الوطنى سمير مرقص وأسند إليه مهمة برنامج «التحول الديمقراطى» ثم تناسى هذا الموضوع إلى أن اضطر إلى أن يكون أول المستقيلين من أعضاء «الفريق الرئاسى» حيث رفض أن يستمر فى منصب «شرفى» دون أن تكون له صلاحيات! ووعد «الرئيس المنتخب» بأن يشرك الشعب فى كل الأمور كما جاء فى برنامجه الرئاسى «سأعمل مع كل أبناء مصر الكرام على إطلاق الحريات وبناء نظام سياسى رشيد يضمن ممارسة ديمقراطية سليمة تتنافس فيها الأحزاب والقوى السياسية منافسة حرة شريفة ونزيهة لكسب أصوات الشعب المصرى كمصدر أساسى للسلطات. نظام يضمن للشعب حريته فى مراقبة ومحاسبة السلطات التنفيذية، ويؤدى إلى تداول سلمى حقيقى للسلطة، ومن ثمَّ تحقيق استقرار شامل يوفر مناخاً صحياً لإقامة تنمية متكاملة وعدالة اجتماعية وريادة حقيقية».

كما وعد «الرئيس المنتخب» «بالعمل على أن تكون مصر دولة دستورية تقوم على دعامات ثلاث؛ السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، كل منها تعمل بشكل متمايز ومتكامل ومتضامن فى آن واحد، بما يتيح توزيعاً للمسئوليات والسلطة ومنع احتكارها من قبَل سلطة واحدة. هذا الفصل الكامل بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) يضمن سيادة القانون ويمنع تغول سلطة على أخرى»!!

وتلك الوعود كلها لم تتحقق، بل وزاد الطين بلة أن «الرئيس المنتخب» يفعل العكس تماماً، فيهدر أحكام القضاء بدلاً من تنفيذها، ويناصب السلطة القضائية العداء ولا يمنع تغوُّل السلطة التنفيذية عليها، ثم يدعو القضاة لعقد مؤتمر للعدالة، ويدعو إلى حوارات مجتمعية لمناقشة أمور قد سبق له اتخاذ قرارات تخالف ما سبق وتعهد به للناس، ويصدر دستوراً غير متفق عليه مجتمعياً بعد أن وعد بعدم إصداره إلا أن يكون محل توافق، ويصمت عن تفسير أمور تشغل بال المصريين ومنها مسألة هروبه من سجن وادى النطرون يوم 29 يناير 2011 بمساعدة من جهة غير مصرية، ولا يشفى غليل المصريين بإعلان نتائج التحقيق فى الغدر بستة عشر شهيداً من أبناء القوات المسلحة فى رمضان 2012!

إن مشكلة الحكم تحت مظلة الإخوان المسلمين أنهم ينطبق عليهم قول الحق فى سورة الصف «يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون». ولله الأمر من فبل ومن بعد.

نقلاً عن صحيفة "الوطن" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.