مسيرتي.. والتحوّلات

روزماري ديفيس
روزماري ديفيس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

أردتُ أن أكتب بضع كلمات عن تجربتي الشخصية في التعاطي مع منطقة الشرق الأوسط وقضاياها. هذه التجربة، باستثناء عامين في أفغانستان، امتدّت على معظم سنوات مهنتي، من لندن إلى دمشق، فبروكسل أثناء عملي مع الاتحاد الأوروبي أو في نيويورك مع الأمم المتّحدة. خلال هذه المسيرة تعلمتُ العربية في لندن والقاهرة.

وعلى رغم أنني لم أعمل في مجال الإعلام، فقد كانت مفاجأة لي أن أُعيَّن في يوليو عام 2011 ناطقةً رسمية باللغة العربية باسم الحكومة البريطانية في المنطقة، متّخذةً من دبي مقرّاً لعملي الذي يقضي بشرح سياسة المملكة المتحدة لوسائل الإعلام، وبصراحة لم أكن أعرف ماذا ينتظرني!

مضى عامان، كيف كانت التجربة؟ كثيرون قالوا لي إنني سأترك انطباعاً قوياً بمجرد أنني امرأة تتعاطى مع إعلام الشرق الأوسط. لم أصدّق ذلك. اعتقدتُ أن ذلك قد يكون صحيحاً في بعض أنحاء منطقة الخليج، لكن ليس على امتداد الشرق الأوسط حيث النساء فاعلات وأثبتن أنفسهن في مجال الإعلام العربي والتواصل. لكنني كنت مخطئة. فقد فوجئتُ بمدى الترحيب الذي أبداه كثيرون، بمن فيهم نساء صحافيات وقرّاء، بأن تكون الناطقة باسم الحكومة البريطانية امرأة، كاسرةً النمطية السائدة عن الدبلوماسي البريطاني الذي يكون عادةً إنجليزياً من الطبقة الوسطى وفي منتصف العمر.

وجدتُ أيضاً بصدق كم يقدّر العالم العربي جهدي في التحدّث مع أفراده بالعربية، وهي إحدى أصعب اللغات في العالم.

توليتُ منصبي لينطلق بعد شهور قليلة "الربيع العربي". أخذت الثورات تحدث تغيّراً سريعاً ومزلزلاً على امتداد الشرق الأوسط، ومفاعيلها التي تردّدت عالمياً بدأت ولم تنته، فقد فاجأت الجميع من أنظمة وحكومات أجنبية ومؤسسات إعلامية. ولم يكن مستغرباً أن بعض وسائل الإعلام وجدت نفسها حائرة في الأيام الأولى في طريقة تغطية ما يدور على مسرح الأحداث السياسية في المنطقة. اليوم، ما زال النقاش دائراً عن دور وسائل الإعلام هذه في التأثير في التطوّرات.

لكن ممّا لا شكّ فيه أن الثورات حقّقت تقدّماً على صعيد حرية التعبير في أنحاء عدّة من المنطقة بعد عقود من القمع ورقابة السلطة، رغم أن عدداً كبيراً من الإعلاميين العرب ما زالوا لا يتمتعون بحقوقهم المهنية، ويتعرضون للسجن والاعتداءات والضغوطات، كما في سوريا حيث معظم وسائل الإعلام محظورة والصحافيون يخاطرون بحياتهم للعمل.

نحن في المملكة المتّحدة نعرف أن إعلاماً موضوعياً ومستقلاً يتمتع بحرية كاملة لا يمكن أن يبصر النور بين ليلة وضحاها. ونفتخر بالتزامنا مبادئ حرية الإعلام التي هي مكوّن رئيسي لمجتمعات ديمقراطية وحرة، فقد تطلّب مسار نيل الحريات عندنا مئات الأعوام والتحدّيات ما زالت قائمة. وإذا صح التعبير، فإن مسيرة الديمقراطية طويلة وتحتاج إلى وقت وعمل دؤوب قد يجعل المجتمعات المتحولة تتخبط تارةً وتستقيم تارةً أخرى لتحقيق حياة أفضل للجميع .ما نحاول أن نركز عليه خلال برامجنا التدريبية للصحافيين في المنطقة، والتي تمثل محوراً مهمّاً في برنامج الشراكة البريطانية – العربية، هو تعزيز استقلالية ومصداقية مضمون الخطاب الإعلامي العربي، من أجل قيام نهضة إعلامية وسط مجتمعات مفتوحة وديمقراطية.

الكلام هنا يقود إلى وسائل التواصل الاجتماعي التي شهدت هي الأخرى ثورة واكبت "الربيع العربي". قبل نحو عامين عندما وصلتُ إلى دبي لتسلّم منصبي، لم تكن لي أي صلة بتلك الوسائل. اعتقدتُ أنها أدوات يمكن من خلالها للجيل اليافع تمضية أوقاته في وقت يتعيّن عليه الاهتمام بأمور أخرى. اعتقدتُ أن "فيسبوك" يشكّل تهديداً للخصوصية وطريقاً نحو الانهيار المهني. واعتبرتُ كذلك أن "تويتر" هو لمجرّد التغريد! فتغيير العالم بـ 140 حرفاً غير ممكن..!

ومع الوقت، أدركت أن الإعلام الحديث يشكل جزءاً لا يتجزّأ عن الإعلام في المنطقة. وليس من قبيل المصادفة تنامي عدد السفراء البريطانيين والدبلوماسيين في الشرق الأوسط الناشطين على "تويتر"، معتبرين أنهم بهذه الوسائل يمكنهم بلوغ شرائح جديدة والتفاعل معها. وسائل التواصل الاجتماعي لن تحلّ يوماً مكان الإعلام الجماهيري التقليدي من حيث التأثير أو الصدقية. لكن الإعلام الحديث بات يشكل وسيلة رئيسية في الانخراط في الأحداث وتبادل الآراء والوصول إلى جمهور جديد لاسيما إلى الأجيال الشابّة.

الإعلام الجديد سلطة تكنولوجية ذات منظومات معقدة، لا تلتزم بالحدود الوطنية للدول، إنما تطرح حدوداً فضائية غير مرئية وعالمية، تتخطى حواجز الزمان والمكان واللغة، لتخاطب جماهير متعددي الجنسيات والعقائد والتطلعات.
إن تغيير العالم بـ 140 حرفاً، أمر يستحقّ المحاولة...

مازالت أمامي سنة أخرى في منصبي، وغالباً ما أقول في نفسي ماذا سأناقش مع من يأتي بعدي في يوليو 2014؟ وكيف ستكون رقعة الإعلام في المنطقة بعد سنتين من تعيين خلفٍ لي؟ مَن يملك أجوبة؟ الأحداث على مدى العامين الأخيرين دّلت على أن التوقّع لا يستحقّ الجهد. لكن لنأمل أننا سنشهد في المرحلة المقبلة وسائل إعلام عربية تعمل بحرّية في أجواء أكثر أمناً وسلامة، وتعمل على مراقبة الحكومات ومحاسبتها على امتداد المنطقة. أما حكومة المملكة المتّحدة فستعمل من جانبها على تحقيق ذلك. ولنأمل أيضاً أن لا تكون امرأة متحدثة باسم الحكومة البريطانية بأمر جديد!


* روزماري ديفيس - الناطقة الرسمية باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط