.
.
.
.

من يقتل المسلمين.. هم المسلمون!

فيصل عباس

نشر في: آخر تحديث:

بكل أسف، ضرب الإرهاب مجدداً في قلب لندن يوم الأربعاء، وذلك للمرة الأولى منذ الهجوم الدامي على مترو الأنفاق في يوليو/تموز 2005، مع فارق في الأسلوب حيث إن الضحية جندي بريطاني وقد تعرض للقتل بوحشية على يد مجرمين يعتقد أنهما إسلاميان، بالقرب من ثكنة للجيش في وولويتش.

ويبدو أن منفذي الاعتداء، بحسب الشهود، قاما بفعلتهما الأثيمة في وضح النهار مستخدمين السكاكين، وكان بحوزة أحدهما مسدس لم يتم التحقق مما إذا كان قد استخدمه أم لا. لكن اللافت، بشكل مقزز، أن المجرمين بقيا في ساحة الجريمة ودعيا المارة إلى التقاط صورهما مع الضحية وتسجيل الجريمة.

وفي أول تعليق له، وصف رئيس الوزراء البريطاني الجريمة بأنها "مروعة"، مضيفا أن الحادثة لها صلات بالإرهاب.

فالواضح أن المجرمين الإسلاميين لم يخجلا من فعلتهما التي قاما بها على الملأ، حتى إنهما قاما بتصوير ذاتهما قبل الجريمة وبعدها.

وبالقدر الذي أدعو فيه لعائلة الضحية البريطانية، كي يمنحها الله الصبر والسلوان على هذه الخسارة المفجعة، وأدعو الله أن ينزل السكينة على الذين قادهم حظهم العاثر إلى تلك المنطقة لمشاهدة هذه الجريمة، فإنني أتمنى كذلك أن تأخذ العدالة مجراها في أسرع وقت ممكن.

فجريمة هذين القاتلين، خصوصا إن كانا مسلمين، أكبر بكثير من مجرد قتل شخص واحد.

فهل نسي أو تناسى هذان أن الإسلام يعلمنا أن قتل نفس بغير حق بمثابة قتل الناس جميعا؟ لكن مشكلتنا الأزلية مع هؤلاء المتطرفين تكمن في أسلوب الانتقائية الذي يتبعونه، فلا يتورعون عن أخذ الآيات التي تبرر ارتكاب الأعمال الإرهابية باسم الإسلام، فيما الدين منهم براء.

ردة فعل عقلانية ومنطقية

رغم قساوة الجريمة وظروفها، لا يسعني سوى أن أرفع قبعتي احتراما مجددا للبريطانيين، وذلك لدماثة تعاطيهم مع الوضع المستجد بمنطق وعقلانية، سواء على المستوى الشعبي أو الحكومي، حيث حرص الجميع على توجيه الاتهام باتزان إلى مرتكبيه من دون الإساءة إلى الإسلام كديانة أو المسلمين كجماعة.

من الطبيعي أن تقوم هنا وهناك ردود فعل غاضبة، فردية الطابع، لكن الذين تورطوا في هذه الأعمال لا يمثلون سوى مجموعة صغيرة جدا من المجتمع البريطاني. ففي الواقع إن منظمات متطرفة مثل "رابطة الدفاع عن إنكلترا"، التي اشتبكت مع الشرطة البريطانية رغم تعريفها بنفسها على موقعها الإلكتروني أنها تجمع سلمي ضد التطرف الإسلامي، لا تمثل ولا يمكن أن تمثل حقيقة أفكار ومشاعر الشارع البريطاني.

فرئيس الوزراء البريطاني أدرك كيف يكون عقلانيا ومنطقيا ومتزنا وكيف يتصرف بمسؤولية عندما وصف الجريمة بأنها "مرتبطة بالإرهاب"، من دون أن يجد نفسه مضطرا للتعمق في الجدل حول الجانب الديني لهذه الجريمة.

وبطبيعة الحال، فهذه ليست المرة الأولى التي يضرب فيها الإرهاب قلب بريطانيا، وهي ليست المرة الأولى التي يتصرف فيها المسؤولون البريطانيون بمسؤولية تستحق الإشادة. ففي يوليو/تموز 2005، سأل أحد الصحافيين قائد شرطة لندن آنذاك أيان بلير عما إذا كان يتهم "الإرهاب الإسلامي" بالوقوف خلف تلك الجريمة، فأجابه بلير: أعتقد أنه لا يجوز الربط بين كلمتي إرهاب وإسلامي، لأن الإرهاب لا علاقة له بالإسلام.

"هراء"

في هذا الظرف بالذات لا بد لنا جميعا من أن نتذكر النسيج المتنوع للمجتمع البريطاني، وقيم الدماثة والتسامح التي يتسم بها، ربما بطريقة معقدة يصعب على غير البريطانيين فهمها.
وإذا أردنا أن نقارن هذا الواقع المجتمعي بالتصريحات السخيفة التي أدلى بها أحد منفذي الاعتداء على الجندي البريطاني، صح وصف كلامه بأنه هراء، لا أكثر.

ففي تسجيل موثق بالصوت والصورة، يزعم هذا المجرم أن الحكومة البريطانية لا تكترث لشعبها وأنه قد ارتكب جريمته "انتقاما لإقدام الجنود البريطانيين على قتل المسلمين".

ولا يسعني هنا سوى ذكر الحقيقة المؤلمة، وهي أن من يقتل المسلمين، هم المسلمون أنفسهم. إذ إنه لا يجوز أن ننسى أو نتناسى أن حاكما "مسلما" اسمه بشار الأسد قتل بآلة حربه عشرات آلاف المسلمين من بني شعبه خلال سنتين، وما زالت جرائمه مستمرة.

أما الحكومة البريطانية فإنها، على عكس ادعاء الإرهابيين، تعتبر مثالا في الاعتناء بشعبها، حيث إن بريطانيا ورغم الأزمة الاقتصادية، فإنها ما زالت تؤمن الحماية والرعاية الاجتماعية والرعاية الصحية المجانية والتقاعد والتعليم المجاني، والأهم أنها ما زالت تؤمن لمواطنيها ورعاياها مساواة في الحقوق ومعاملة متساوية أمام القانون.

للأسف، فإن هذه التقديمات تعتبر تمنيات بعيدة المنال في معظم الدول الإسلامية، حتى تلك التي أنعم عليها الله بالثروات الطائلة.
أضف إلى ذلك أن بريطانيا تتيح لشعبها معارضة الحكومة، وللناس الحق في المعارضة والاحتجاج، وحتى السخرية من السياسيين في وسائل الإعلام.

فبينما تشكل المعارضة في بريطانيا حكومة ظل، واسمها الرسمي هو "المعارضة الموالية لصاحبة الجلالة الملكة"، نرى في المقابل كيف أن قائدا "مسلما" اسمه بشار الأسد حول تظاهرات سلمية إلى مجازر دامية.

صحيح أن الجرائم المروعة يصاحبها صخب وفوضى عارمة، لكن في ظل غبار هذه الفوضى برزت علامة مضيئة قد تشكل ردة الفعل الحقيقية على بشاعة جريمة وولويتش، حيث إن أول من زار موقع الجريمة ووضع باقة من الزهور على غرار العادات البريطانية، كان شابا مسلما في السادسة والعشرين من العمر، اسمه أحمد جمعة.

وقد صرح جمعة بعفوية المسلم المؤمن بدينه إن "لا علاقة لهذه الجريمة بالله، ولا علاقة لها بالإسلام".

أنا أعرف أن غالبية المسلمين في بريطانيا يشاطرون أحمد جمعة موقفه، لكنني أعتقد أنه آن الأوان كي يعبروا علانية عن هذا الموقف، وعلى مرأى ومسمع من الجميع.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.