سيناء هي المخطوفة
خلال العامين الأخيرين بوجه أخص حفلت سيناء بالحوادث التي بدا الاحتكام إلى السلاح فيها واضحاً، كما ظهرت في الأفق مؤشرات الاشتباك مع السلطة وتحديها، ولا أعني أن سيناء كانت ساكنة قبل ذلك، ولكن أعني أن منسوب العنف وتحدي السلطة ارتفع بصورة أوضح بعد الثورة. إذ أزعم أن رياح التمرد ظلت تهب على سيناء طول الوقت بسبب السياسة الأمنية التي حكمت البلاد طوال العقود الأخيرة، والتي تعاملت مع أهالي سيناء باعتبارهم مشتبهاً بهم. وحين وقعت بعض التفجيرات في المناطق السياحية (شرم الشيخ مثلا) فإن مدرسة «التمشيط» في الجهاز الأمني ساقت المئات من أبناء سيناء الأبرياء إلى السجون والمعتقلات، علها تجد الفاعلين بينهم. وهناك عاملتهم بصورة مهينة ووحشية لاستنطاقهم. متجاهلة أن هؤلاء ينتمون إلى قبائل وعشائر لا سلطان للدولة عليهم، الأمر الذي كان له دوره الرئيسي في تنامي مشاعر النقمة على السلطة واختزان مشاعر الثأر والانتقام منها.
كان العم أمين هويدي وزير الحربية ورئيس المخابرات الأسبق يحتفظ بعلاقات طيبة مع عدد من شيوخ القبائل في سيناء، منذ كان ضابطاً في سلاح الحدود. وظلت تلك العلاقات مستمرة معه إلى ما قبل وفاته رحمه الله في عام 2009، وكانت له وجهة نظر في التعامل مع سيناء خلاصتها انه منذ دخلت الشرطة على الخط وتحولت سيناء إلى حالة أمنية تولاها جهاز أمن الدولة (سابقاً)، فسدت علاقة السلطة بالمجتمع السيناوي، حيث رأى الجميع هناك وجهاً فظاً وغليظاً للدولة المصرية لم يألفوه، فنفروا منه واشتبكوا معه بطريقتهم. وكان رأيه أن الجيش في سيناء كان حارساً للحدود وودوداً مع الناس، أما الشرطة فقد تعاملت معهم باعتبارهم متهمين واستخدمت معهم أساليب القمع. فتراجعت سلطة الدولة التي أصبحت جهازاً قمعياً، وتنامت سلطة القبيلة التي أصبحت هي الحامية لأبنائها.
خلال السنتين الأخيرتين حفل سجل الاشتباك والتمرد بحوادث عدة، توالــت على النحو التالي: تم قتل 16 ضابطاً وجندياً في رفــح، هوجــم معــسكر القوات الدولية لحفظ السلام، ثم حصل هجوم آخر على حي الزهور بالشيخ زويد، كما هوجم كمين للجيش في منطقة العوجة أدى إلى إصابة سبعة من الجرحى، وهوجم مصنع للأسمنت تابع للقوات المسلحة في وسط سيناء، واستشهد ضابط شرطة وأصيب أحد الجنود في هجوم على قسم شرطة نخل، تعرض كمين للجيش للهجوم في مطار العريش، وأخيراً تم اختطاف الجنود السبعة بالقرب من العريش.
طوال العقود الأربعة الأخــيرة عـلى الأقــل، التي أصبحت سيناء فيها مجرد حالة أمنية، ظلت تضاريسها الاجتماعية مجهولة لدى السلطة، علماً أن بعض تضاريسها الجغرافية أيضــا غير معلــومة إلا لأبناء سيناء الذين يحفظون دروبها وهضابها ومخابئها. وبسبــب غيــاب السلــطة فإن المعــلومات ظلت شحيحة عــن حقيــقة ما يجــري فيــها. آية ذلك مثلا أن انبوب الغاز الموصل لإسرائيــل تم تفجــيره 14 مرة من دون أن يعرف بالضــبط الأطراف الفاعــلة في تلك العمليات. وكان طبيعياً أن تنمو هناك بؤر التهريب والإجرام، إضافة إلى الجماعات التي توصف بأنها سلفية أو جهادية. وفي حــدود علمــي فــإن الأجهزة المعنية في القاهرة كانــت تدرك ذلــك، إلا أنهـا لم تكن تعرف شيئاً عن الأحجام والأوزان فضلا عن الأماكن. وقيــل لي مثــلا أن هنــاك 16 بــؤرة جــهادية، لكن أحجامها وأماكنـها لم تكن معلومة على وجه الدقة.
بسبب الغموض الذي أحاط بمجمل الأوضاع والخرائط الاجتماعية في سيناء فإن عدداً غير قليل من المحللين والسياسيين، فضلا عن وسائل الإعلام، كانوا يستسهلون الربط بين سيناء وقطاع غزة، في خلط بين الجغرافيا والسياسة، حيث ظل الغمز دائماً في علاقة «حماس» بما يجري هناك. لذلك فإن ما يجري في سيناء كان يرد عليه بإغلاق معبر رفح وتشديد حملة تدمير الأنفاق. وهو ما حدث هذه المرة، وتكرر في أغلب المرات السابقة. بل إن بعض التصريحات الرسمية كانت تسارع إلى اتهام «حماس» بالضلوع في أي حادث يقع في سيناء. كما حدث عقب قتل الـ16 ضابطاً وجندياً في العام الماضي. وقد تم اتخاذ الإجراء ذاته بعد خطف الجنود السبعة، إذ أغلق المعبر بقرار إداري، فضلا عن أن مجموعة من جنود الأمن المركزي توجهوا إلى المعبر لإحكام إغلاقه، ورفعوا شعارات معادية لـ«حماس». بالتالي فقد كتب على قطاع غزة وحماس أن يدفعا ثمن الجوار وتدهور الأوضاع في سيناء، ولولا أن كــل القرائن دلت على أن حادث الاختطاف الأخير كان شأناً سيناوياً خالصاً، حتى باعتراف الخاطفين أنفسهم، لما استبعد المحللون والمنابر الإعلامية دور «حماس» والفلسطينيين في الحادث. وهو ما سجلته تصريحات المتحدث العسكري المصري في 17/5 التي قال فيها إنه لا علاقة لـ«حماس» أو غزة بالموضوع.
لا نستطيع أن نفصل ما يحصل في سيناء عن مجمل الأجواء المخيمة على مصر. إذ كما أن السياسة الأمنية التي عاشت في ظلها البلاد ألقت بظلالها على علاقة السلطة بالمجتمع في سيناء، فإن حالة الانفلات التي شهدتها مصر بعد الثورة وما استصحبته من جرأة على السلطة وتحد لهيبتها، وإهدار لمؤسساتها إلى جانب الإطاحة بقيم القانون والنظام العام، هذه أيضاً كانت لها أصداؤها هناك، بل إنني لا أستبعد أن تكون تلك الأجواء قد شكلت عنصرا مشجعاً على رفع منسوب التحدي والاستهانة بالسلطة في سيناء. ذلك أن ما حدث هناك مؤخراً لا يختلف كثيراً عما نراه بصورة شبه يومية في أنحاء مصر (القاهرة والإسكندرية والسويس وبورسعيد مثلا) مع اختلاف بسيط تمثل في أن الذين تعرضوا للاختطاف هم جنود وليسوا مواطنين عاديين.
في هذا السياق لا بد ان تثير دهشتنا مواقف النخب ووسائل الإعلام المصرية إزاء الحدث الأخير. إذ سارع البعض إلى توظيفه لصالح توجيه الاتهام إلى الرئيس محمد مرسي وتكثيف الهجوم عليه لتعزيز المواقع في الاستقطاب الحاصل. وفي الوقت ذاته فإنهم فسروا الحادث باعتباره جزءاً من مؤامرة. حيث تعددت تصريحات الناشطين السياسيين الذين دأبوا على القول إن الرئيس مرسي هو المسؤول الأول عما جرى، سواء باعتباره قائدا عاما للقوات المسلحة لم يفعل شيئا لحماية الجنود، أو لأنه أصدر عفوا عن بعض المحكوم عليهم فى قضايا سياسية. ومنهم أناس اعتبرهم النظام السابق إرهابيين، وهؤلاء التحقوا بسيناء وعادوا إلى نشاطهم القديم. ومنهم من قال إن الذين قاموا بعملية الخطف هم من إخوان وعشيرة الرئيس مرسي. وأبرزت إحدى الصحف قولا منسوبا إلى أحد ممثلي القوات المسلحة ذكر فيه أن الرئيس مرسي إما أن يثبت جديته في التعامل مع الحدث وإما أن يستقيل من منصبه (...)
لي أربع ملاحظات على المشهد هي:
أن التجاذب والصراع السياسي الحاصل في مصر لم يسمحا بتوفير رؤية وطنية واضحة للتعامل مع الحدث. بل إن النخب السياسية ومعها المنابر الإعلامية المعارضة وظفوا ما جرى من أجل كسب المعركة السياسية التي يخوضونها. بحيث ما عاد السؤال المطروح هو كيف يحل الاشكال بحيث لا يتكرر ما جرى مرة أخرى، وتستعيد الدولة هيبتها في سيناء؟ ـ بل بدا أن الفكرة التي ظلت مهيمنة طول الوقت هي: كيف يمكن استثمار الحدث في إحراج الرئيس محمد مرسي وإضعاف صورته، بحيث توظف في هدف سحب الشرعية منه وإسقاطه. وهو تحليل إذا صح فإنه يصبح كاشفا عن مدى الخلل الذي تعاني منه البيئة السياسية في مصر.
إن فكرة اختطاف سيناء وغياب السيادة المصرية الحقيقية على كامل أراضيها لم تنل ما تستحقه من الذكر في الجدل الدائر حول الحدث. كأنما شغل الجميع بالتفاصيل الراهنة عن الرؤية الاستراتيجية المتمثلة في تلك الحقيقة الجوهرية التي تجنب كثيرون الخوض فيها. وأغلب الظن أن السكوت على مصدر البلاء وأصل الداء راجع إلى التخوف من إثارة الموضوع الذي لا بد له ان يفتح الأبواب للحديث عن اتفاقية السلام الموقعة مع إسرائيل، وما أسفرت عنه من أوضاع تحتاج إلى مراجعة من نظام ما بعد الثورة المصرية، وربما تصور هؤلاء أن فتح الملف له تداعياته التي يفضلون السكوت عليها ويؤثرون تجاهلها. مع العلم أنه لا حل لمسألة التعامل الجاد مع الأوضاع المضطربة في سيناء إلا بعودة السيادة المصرية كاملة على أراضيها. ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بإعادة النظر في اتفاقية السلام بما يجعلها لمصلحة الأمن المصري وليس الأمن الإسرائيلي وحده.
أخيرا فإنني أحذر من التعويل على الحل العسكري والأمني وإهمال الحل السياسي. وأرجو أن نكون قد تعلمنا شيئاً من دروس التعويل على الحل الأول وإهمال السياسة في الموضوع، لأنه يخلف مرارات وثارات وضغائن تعقد المشكلة ولا تحلها. ومشكلة الحل السياسي أنه يتطلب سياسة وحكمة وبعد نظر، وأخشى في ظل الأوضاع الضاغطة الراهنة أن نتغاضى عن كل ذلك، بحيث نتبنى شعار القمع هو الحل.
نقلاً عن صحيفة "السفير" اللبنانية