حال احتضار

أمين قمورية
أمين قمورية
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

كأن مصر لا تكفيها أزمة الحكم التي تعتريها بين "اخوانها" و"الانقاذ"، حتى انهالت عليها المصائب من كل صوب: حال الفوضى تسود أرجاءها، أمنها سائب، جيشها خائب، الارهاب يخطف سيناءها، النزعات الانفصالية تسري في بورسعيدها، الفقر يعشش في صعيدها والدلتا، دورها الطليعي مفقود، وصوتها لم يعد مسموعا في أي محفل.
مصر انتظرت الخطر من الشرق، فاذا به يفاجئها من الجنوب وبأغلى ما عندها. أمنها القومي محصور ببوابتين: بوابة سيناء جبهتها الخارجية مع العدو المفترض، ومياه نهر النيل جبهتها الداخلية مع الحياة ولقمة العيش. النيل أهم من البوابة الشرقية. اذا احتلت الارض يمكن استعادتها. اما اذا انقطع شريان الحياة فلن تقوم لمصر قائمة.
أدخل مبارك السجن وأخذ النيل معه. ثلاثة عقود من الاهمال المتعمد والفوقية والتعالي على كل ما هو افريقي أخرج مصر من القارة السمراء بعدما شكلت لدول القارة وقادتها المثال والنموذج. منذ عهد الملكة حتشبسوت لم ترفع مصر عينها عن حديقتها الجنوبية، ولكن برمشة عين شطب فراعنة مصر الجدد كل ما بناه اسلافهم من علاقات وطيدة مع شعوب افريقيا وثوارهم والزعماء الكبار من نكروما الى لومومبا الى نيريري. وكانت الضربة الموجعة من صديقة الامس اثيوبيا التي ساعدت القاهرة قادتها الحاليين على التخلص من حكم الديكتاتور منغيستو.
في الماضي منعت مصر اقامة اي مشروع على النيل بفعل مكانتها وعلاقتها بالقوى العظمى. لكن المضحك المبكي ان اديس ابابا أعلنت البدء بتحويل مجرى النهر عندما كان الرئيس محمد مرسي يزورها. ولم يعد من خيار أمام القاهرة لتخفيف حدة الكارثة التي تنتظرها سوى الاعتذار علنا عن تراكمات السنين الماضية والقبول باتفاقات عنتيبي التي تجاهلتها في السابق واعتبرتها لاغية من الاساس. وكأنه لم يكن ينقص هذه الامة سوى صعود الدولة الامهرية كقوة اقليمية كبرى على حساب العرب بعدما تناتشت خريطتها الجغرافية كل القوى المماثلة كايران وتركيا وطبعا في البدء اسرائيل.
كانت الآمال، ولا تزال، معلقة على ان تنجح "ثورة 25 يناير" في تخليص مصر من محنتها وان تعيد الى هذه الدولة القائدة دورها الطبيعي، ولعلها باستعادتها مكانتها المفترضة يمكن ان تعود رافعة لانتشال هذه الامة من كبوتها بعدما اعيتها حالة الاحتضار التي تعانيها من مشرقها الى مغربها. لكن مصر تتفرج عاجزة على نيلها ينضب ويهددها بالعطش، بينما صار هذا النيل نيلين في السودان، واحدا في شمال هذا البلد وغيره في جنوبه السابق، ودجلة يبتعد عن الفرات في العراق، وبردى يفيض دما في سوريا.

نقلاً عن "النهار" اللبنانية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.