.
.
.
.

الانقسام و"ربيع العرب"

أمجد عرار

نشر في: آخر تحديث:

ها هو الانقسام الفلسطيني يدخل نفقه السنوي الخامس من دون تلمس نهاية لهذا النفق المظلم أو رؤية بقعة ضوء أو شعاع وإن خافتاً. يستطيع كل فلسطيني أو عربي أن يجري بحثاً إحصائياً لحصاد السنوات السبع على جبهة العدو الغاصب لفلسطين، ليرى كم ألف وحدة استيطانية أقيمت على الأرض الفلسطينية، وكم زادت الحفريات تحت البلدة القديمة في القدس وتحت المسجد الأقصى، وكم اسم شارع أو موقع تاريخي حوله الصهاينة من العربية إلى العبرية، وليرى كم اعتقلت سلطات الاحتلال في هذه السنوات العجاف، وكيف تصاعد قمع الاحتلال ضد آلاف الأسرى الذين لم يكف جوعهم لشهور لدفع طرفي الانقسام نحو العودة إلى سكة الوحدة الوطنية.

لندع الأمور تتحدّث عن نفسها وليس كما يحلو لهذا الطرف أو ذاك أن يتحدث عنها وباسمها، فالكلام ليس عليه جمرك، كما يقال. طالما أن هناك انقساماً، لا يستطيع ولا يحق لأي طرف فلسطيني أن ينسب لنفسه نضالاً أو جهاداً أو حرصاً على قضية أسمى وأعلى قداسة من أي مجموعة أو شخص يتحدّث باسمها صدقاً أو زوراً.

من حق الشعب الفلسطيني ومن بقي من العرب معه أن يسألوا: لماذا فشلت عشرات اللقاءات التي عقدت في غير عاصمة تحت عنوان المصالحة وإنهاء الانقسام؟ هناك اتفاقات مفصّلة وقّعها الطرفان، وسمعنا تصريحات أغزر من الأمطار الموسمية في بعض المناسبات، كزيارة خالد مشعل إلى غزة، حين اعتقد الفلسطينيون ومن بقي معهم أن المصالحة أصبحت تحصيل حاصل . عندما يظفر صيادان بالدب، نستطيع أن نتفهّم خلافهما على جلده، أما أن يقتتلا قبل صيده، فهذا يعني أنهما لن يصيداه . ثمّة طرف فلسطيني استبدل برنامج التحرير بمشروع سلطة بلا أرض، وقد راودته الآمال أن يطور مشروع السلطة إلى دولة، وهناك طرف أمضى عشرين سنة يتهكّم على هذا المشروع السلطوي إلى أن حانت فرصة ما فإذا به ينخرط في المشروع ذاته. عند تلك اللحظة أصبح الصراع الفلسطيني -”الإسرائيلي”، صراعاً فلسطينياً - فلسطينياً على تقاسم سلطة وهمية.

قيل كثيراً إبان نظام مبارك إنه يعطّل التسوية بانحيازه لطرف ومحاصرته غزة، لكن ذلك النظام رحل وجاء نظام قريب من سلطة غزة، وظننا مع الظانين أن هذا قد يدفع باتجاه المصالحة، فإذا بالأمور تزداد صعوبة وتعقيداً، لأن ما ظنّناه ربيعاً سيرخي سدوله على الأمة، ظهر أنه أيضاً مشروع سلطة على نطاق أوسع ولا مكان لفلسطين والقدس فيه، وإن كان البعض يعزو غياب فلسطين عن شعارات الحراك إلى الرغبة في تجنّب تأليب العالم عليه، فإن الدول التي تغيّرت فيها الأنظمة أصبحت أكثر قابلية للتطبيع مع “إسرائيل”، وتونس مجرد مثال، أما ظواهر إحراق العلم الفلسطيني على يد بعض متظاهري “الربيع” وهجومهم وتهكّمهم على المقاومة، فهي تصبغ هذه المرحلة بلون “إسرائيلي” أشد وضوحاً من أي وقت مضى . وقد يغيب عن أذهان البعض أن كل مشروع ديمقراطي عربي سيغدو في ظل تجاهله الصراع العربي - “الإسرائيلي” بلا معنى سوى الاختراق “الإسرائيلي”، وأنه لا ربيع لهذه الأمة ما لم تتفتح أولى زهوره في فلسطين .

* نقلاً عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.