حوار حول الشراكة مع الدول العربية الانتقالية
في عصر الإعلام الجديد، حيث تعددت الآراء والأفكار وبات بمقدور كل مواطن أن يصبح صحفيا ناقلا للمعلومة عبر الإنترنت، أصبحت مسألة تقديم فكرة تجذب قارئا، يطّلع على أخبار العالم عبر هاتفه الجوال، وإقناعه بمتابعة تلك الفكرة، مهمة تحتاج لأسلوب عمل مختلف على صعيد المحتوى ووسيلة التواصل الإعلامي.
ووسط الكم الهائل من المعلومات التي تتدفق على وسائل الإعلام من مصادر كثيرة هذه الأيام، إنه لمن الصعوبة البالغة لأي مؤسسة حكومية، أو خاصة، أن تبرز نشاطها وتوصله إلى الجمهور المستهدف، عبر وسائل الإعلام المذكورة، إذا لم تمتلك هذه المؤسسة أفكارا وأنشطة مميزة ومبدعة ومؤثرة تجعل وسائل الإعلام تهتم بها وتفرد لها بعض الحيّز.
وخلال مؤتمر جمع مسؤولي الاعلام في سفارات المملكة المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العاصمة لندن في مارس/آذار من العام الجاري، تمت مناقشة كيفية العمل على تعزيز التغطية الاعلامية لرئاسة المملكة المتحدة لمجموعة الدول الصناعية الثماني، وخاصة "شراكة دوفيل" التي تعتبر أهم الأولويات لدى المملكة المتحدة خلال قيادتها للعام 2013 للدول الثماني. هل ننشر مقالا لوزير بارز يتحدث عن هذه الشراكة عبر بعض الصحف العربية ؟ أو بيانا صحفيا مكثفا ؟ أو نقوم بالترويج لذلك عبر وسائل الإعلام الاجتماعي ؟ ماذا يمكن أن نعمل ؟
"شراكة دوفيل" هي شراكة استراتيجية وتجمع عددا كبيرا من الدول المهمة والمؤثرة، وكانت مجموعة دول الثماني أطلقتها مع الدول العربية التي تمر بمرحلة انتقالية في اجتماع قادتها في دوفيل بفرنسا عام 2011 لمساعدة الدول الانتقالية على الاستقرار وخلق فرص العمل والمشاركة وأنشأت الشراكة «صندوق التحول» لدعم المشاريع في هذه الدول، والذي تسهم فيه بعض الدول الخليجية. وأبرز القضايا التي تعمل عليها الشراكة هي تشجيع زيادة التجارة والاستثمار، وتوفير المساعدة التقنية من أجل الإصلاح الاقتصادي والمؤسسي والعمل معا من أجل إعادة الأصول المسروقة وزيادة المشاركة الاقتصادية للشباب وتشجيع القطاع الخاص دعم دور المرأة في قطاعات المشاريع والأعمال في الدول الانتقالية. وتعمل الشراكة مع ست دول عربية تقوم بالإصلاح هي مصر وتونس وليبيا والأردن والمغرب واليمن.
ملف بهذا الحجم، والأهمية، والتأثير، يحتاج إلى عمل إعلامي بحجمه لأنه يتناول تعزيز الأوضاع الاقتصادية والسياسية في عدد من الدول العربية، وبمساعدة من دول عربية أخرى، فضلا عن اهتمامه البالغ بقضايا الشباب في الدول العربية الانتقالية.
وبعد بحث وتدقيق شديدين، اقترحت برنامج "حوار العرب" الذي تبثه قناة العربية، ويحظى بمتابعة عشرات الملايين في العالم العربي، وذلك لسبب رئيسي وهو أنه برنامج حواري يناقش قضايا مشابهة للقضايا التي تعمل عليها شراكة دوفيل. لاقت الفكرة تأييدا شديدا، وبدأنا العمل في مركز الاعلام والتواصل الاقليمي في دبي، على تطبيق الفكرة، بداية عبر اقتراحها على برنامج حوار العرب، ومناقشتها معهم، وقد قبلوا الفكرة لأسباب مهنية سبق وذكرتها أعلاه وهي أن البرنامج يناقش قضايا شبيهة بتلك التي تعمل عليها شراكة دوفيل. تعاون المركز الاعلامي الاقليمي مع إعلاميين محترفين ومهنيين مشرفين على حوار العرب، في المحتوى وغيره. وضيوف البرنامج كانوا وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط أليستر بيرت، وجهاد أزعور وزير المال اللبناني الأسبق، وباسم عوض الله رئيس سابق للديوان الملكي الأردني.
وخلال البرنامج تمت مناقشة كل تفاصيل شراكة دوفيل، فضلا عن استطلاعات الرأي التي أجراها مراسلو القناة في عدد من العواصم العربية، عبر مقابلات مع عدد من المواطنين فيها، ليعبروا عن آرائهم وملاحظاتهم إزاء هذه الشراكة.
نقاش متميز بين ثلاثة وزراء ومسؤولين بارزين حول شراكة دوفيل ودورها في العالم العربي، وكيف يمكن تطوير هذه الشراكة، وتحسين أوضاع الدول الانتقالية العربية، إضافة إلى ظهور مواطنين من أبناء هذه الدول ليتحدثوا بشكل طبيعي، وعفوي، ويعبّروا عن آرائهم إزاء الشراكة، ومن ثم تنتقل هذه الأجواء من النقاش المتفاعل إلى ملايين الناس، هي بالتأكيد خطوات مهمة لإيصال ملفات استراتيجية تهم ملايين العرب، مثل ملف شراكة دوفيل في بعده السياسي والاقتصادي، إلى جمهور واسع من المشاهدين والقراء.
لذلك، تبرز تحديات أمام الإعلام في متابعة الأوضاع في الدول العربية الانتقالية، لأن المواطن في هذه الدول لن يكترث كثيرا إلا لوسائل الإعلام التي تنقل صوته، وتتحدث عن مستقبله السياسي والاقتصادي، من فرص العمل والمشاريع الاقتصادية، حتى مشاركته في بناء مستقبل بلده. كما أن التحديات ليست أمام وسائل الإعلام فحسب، وإنما أمام المؤسسات الحكومية في صناعة خطاب وخطط استراتيجية تلامس هموم الشعوب فتحظى باهتمامها، وإلا لن تلقى اهتماما من جانب وسائل الإعلام ومشاهديها.
*روزماري ديفيس- الناطقة الرسمية باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا