لكي لا يجتر العراق ماضيه؟!
في جلسة حوار مكاشفة مع مسؤول عراقي رفيع ومتمرس في السياسة العراقية من المعارضة حتى السلطة، ويتربع على عرش الصلاحيات المستندة على المحاصصة السياسية، كشف هذا المسؤول جوهر المشكلة العراقية التي لخصها: بـ"ثغرات الدستور" وعدّد الكثير منها مما لم يتم تعديله وفق الاتفاق الذي سبق إعلان الحكومة.. وآخرها عدم تحديد قاطع لولاية رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، كما تفرض الدساتير في العالم.
فمثلا لا يقر الدستور متى يُقال الرئيس أو يستبدل أو يتنحى بشكل قاطع, فظل العراق بلا رئيس نتيجة مرض السيد طالباني شافاه الله وأطال عمره, كون الدستور والساسة متيقنين من أنه" لقمة القبان" في الحياة السياسة في "العراق الجديد"، لكنه لم يعط صلاحياته إلى نائبه خضير الخزاعي، الذي يدير السلطات بحكم الدستور كما هو مفترض.
ولم يحسم الدستور بقاء موادّ مثل المادة 140 حول ما سمي وابتدع بـ"المناطق المتنازع" عليها، وترك موضوع النفط مفتوحاً حول مناطق الآبار المكتشفة الحالية، وتلك التي ستكتشف مستقبلا؟ ولمن ريعها وكيف الاتفاق بشأنها؟؟ هل من حق الأقاليم أن تتفق وتتعاقد أم أنها مسألة سيادية؟
كما يؤكد ذلك السيد الشهرستاني، نائب رئيس الوزراء" المؤتمن"على النفط والطاقة، الذي يبدو متشدداً بنظر بعض الأطراف العراقية حين يصر على أن الدستور حاسم في مسألة السيادة على موارد البلاد من السلطة المركزية في بغداد، فليس من حق إقليم البصرة "مستقبلا" مثلا الذي ينتج 90%من النفط العراقي أن يطالب بحصة أكبر من التي تقرها الحكومة المركزية في بغداد، مما تسبب بمشكلات للسيد الشهرستاني.
كما أنه ليس من حق مكونات الأنبار أو الموصل وتكريت إذا أرادت أن تكوّن إقليماً "وفق الدستور" أن تسيطر على مياه دجلة والفرات، أو تساوم عليها لأنها ملك للجميع وتحت سيطرة وزارة الري في بغداد, هي التي تُحدد النسب والحصص المائية، كما جرى طيلة تاريخ العراق الحديث ولم يجرأ أحد على مناقشة ذلك سابقاً؟ وليس من حق الأقاليم أن تتعامل خارجياً بإنشاء سفارات أو قنصليات من دون موافقة مجلس الوزراء العراقي الجهة الوحيدة المخولة لمنح التصاريح بذلك, لأنه تعامل بين الدول كما جرى العرف الدبلوماسي.. كل هذا موضع نقاش مفتوح في "العراق الجديد" اليوم.
وأعود للسيد المسؤول الرفيع حين سألته: عن تصوره للخروج من الأزمة الحالية، وما تقديرات السلطة كي يستقر البلد ويشرع بالبناء وضعت عليه عشر سنوات لاحقة مقترحا لتحقيق ذلك؟ محفزا له كي يردع تصوري هذا.. قال: يا ليت "أتوقع أكثر من ذلك بكثير؟! ففزعت من ذلك لأني لمست برود أعصابه وهو يجيب بثقة.
إذن لعشر سنوات قادمة سيستمر البلد في هذه المعمعة التي سمّتها السيدة "كونداليزا رايس" حينها بـ"الفوضى الخلاقة"، وإن كنت متفقاً مع مصطلح "هي فوضى" لكن السؤال ماذا خلقت؟ ماذا أنتجت؟ ماذا أفرزت من شرائح؟ من بشر ركبوا الدولة كمطية كي يجعلوها في مقدمة الدول الأكثر فساداً الأكثر قتلاً الأكثر خطراً الأكثر أمية بين بلدان العالم العربي، وهي التي منحتها ذات يوم اليونسكو شهادة تخرج من الأمية في منتصف السبعينيات.
وعلى ذكر الأمية فإن أخطر ما يواجه الشعوب ليس عدم القراءة والكتابة فحسب، بل أن تضع الإنسان غير المناسب في المكان الأكثر أهمية, عند ذاك تحدث الفوضى وتعم الأزمات.
إن مسلمة "أن ينتهي الإنسان من حيث ابتدأ" وتعاد كل الأزمات وكأن التاريخ يُعيد نفسه بدورة العنف وعدم قدرة الخروج من دائرة الأثرة والتحدي والغلبة بين مكونات المجتمع ويصير حديث المحاصصة والاستحواذ بديلا عن ترصين الكفاءات وتطوير القدرات والسعي إلى الحل الجذري لأزمات سحقت المجتمع ووضعته في مهب الريح وسلبت قيمه وتدنت مُثله تفرض وقفة جدية من مفكريه ومثقفيه وولات أمره تجاه التحديات التي تعصف به، وسيادة قيم محل أخرى، فبدلا من أن يتعظ مما جرى من قتل وحروب وتشرد وهجرة أنقصت كفاءة المجتمع ووضعته في خانة التدني والحاجة إلى الخبرات العلمية والطبية وأساتذة الجامعات الأكفاء ذوو المستويات العالية لتدريب جيل من الباحثين يوضع على رأس تلك المؤسسات ناس أتت بهم المحاصصة السياسية لا غير.
عشرون سنة مقبلة لا يوجد من يخطط لها بجدية أو يرسم لها صورة تتخطى عقد توفير الكهرباء والماء والأمن والصحة إلى المجتمع المتصالح مع نفسه والآخرين، بل لا يوجد من يرسم سياسة استراتيجية تضمن بقاء الوطن موحداً.
لا تعيش البلدان وفق قسمة الغرماء حين تريد أن يكون لها مشروعاً حضارياً وسمة الدولة المتوافقة مع تاريخها العريق .