.
.
.
.

"تخبّط "تركي

محمد محمود عبيد

نشر في: آخر تحديث:

هناك تناقض صارخ في تركيا، بين حملة التنظير الديمقراطي التي تقودها حكومة حزب “العدالة والتنمية” برئاسة رجب طيب أردوغان، عند تناولها شؤون المنطقة والعالم، وحالة التغيير التي نشهدها على أكثر من صعيد، وبين مواجهتها الاحتجاجات المعارضة، وتصعيدها ضد من هاجمتهم ووصفتهم بأقذع الصفات، لا لشيء إلا كونهم خرجوا ضد نهجها الاستفرادي التي وصلت إلى حد التلويح باستخدام الجيش لوقف التظاهرة في ميدان تقسيم .


بولنت أرينج نائب رئيس الحكومة التركي لوح باستخدام الجيش لمواجهة المظاهرات، وقال إن “المطلوب هو وقف التظاهرة إذا كانت مخالفة للقانون، توجد شرطة وإن لم تكف، يوجد الدرك، وإن لم يكف توجد القوات المسلحة، هذه السلطات موجودة بموجب القوانين”، وحذر من أن الشرطة ستقمع التظاهرات المتبقية، بعدما رأى أن الاحتجاجات التي اندلعت على مدى 20 يوماً “انتهت” .


وبعيداً عن ذلك، استمر التعاطي المتخبط مع الأزمة من الحكومة والحزب التركي الحاكم، لعل مصدره كان الخشية من تمدد الاحتجاج، فما كان من أردوغان إلا أن حشد أنصاره في تظاهرات مضادة، في ما يمكن أن يوصف بأنه استعراض عضلات، اكتسب شرعيته وقانونيته من منظميه الذين وصموا معارضيهم بالخروج على القانون .


في مواجهة هذا التخبط الرسمي، تبرز مجموعة حقائق لا يمكن إغفالها أو المرور عنها مرور الكرام، على رأسها واقع أن الحقوق والحريات والقوانين لا تتجزأ، ولا تقبل القسمة، أو الانتقائية في التطبيق أو عدمه، فهي كل كامل، إما يؤخذ كما هو، أو يرفض كما هو، فليس شرعياً ولا قانونياً أن يتم السماح لأنصار الحكومة باجتياح البلاد بتظاهراتهم، وفي المقابل يتم قمع المحتجين المعارضين وتجريف واقتلاع خيام الاعتصام في ميدان تقسيم، وليس شرعياً أن يوظّف الجيش كعصا ترهيب في صراع سياسي داخلي .


وظيفة الجيش، أي جيش، وهذا تذكير لنائب رئيس وزراء تركيا، هي الحفاظ على سيادة الدولة واستقرارها، وحمايتها من الأخطار الخارجية والداخلية، والتفويض الممنوح له من الشعب لممارسة هذا الحق، لا يمكن أن يتحول يوماً ما إلى تفويض باستباحة الدم، أو التحول إلى أداة في صراع سياسي داخلي، تستخدم لمصلحة طرف ضد آخر .


وضع الاحتجاجات في تركيا في خانة الدفاع عن حديقة أو معلم تاريخي أو حضاري، يحمل انتقاصاً واجتزاء في معالجة وتحليل الحالة، فتلك كانت مجرد نقطة انطلاق، لكن العنوان الأساسي، هو الدفاع عن مدنية الدولة التركية، وعن الحريات والحقوق الفردية والجماعية، التي يحاول حزب أردوغان تذويبها في إطار مشروع معروف الأهداف، ولا يمكن الحكم على الأمر إلا من هذه الزاوية، فالصراع حقوقي سياسي، ومن يصور الأمر على غير ذلك، فإنه يهدف بكل بساطة إلى استهداف المعارضين وإقصائهم بأي ثمن ووسيلة .


الحكومة التركية تستطيع الخروج من هذه الحالة، من خلال الاعتراف بحق المعارضين في التظاهر السلمي، والاحتجاج على سياساتها وقراراتها، والعودة عن أي قرار يثبت خطأه بدلاً من الاستمرار في استجرار الأخطاء .

*نقلا عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.