.
.
.
.

سانتياغو نصار

سمير عطا الله

نشر في: آخر تحديث:

في "سجلّ موت متوقّع" تكون البلدة برمّتها عارفة أن سانتياغو نصار سوف يُقتل عند الفجر على أيدي الشقيقين فيكاريو. يُغلق الناس أبوابهم ونوافذهم باستسلام، كما رأيتم بيوت عبرا يوم الأحد. وتبقى أماكن الضرورة مفتوحة. وينتظر الجميع ما يعرفون منذ أيام أنه أصبح وشيكاً.منذ أشهر واللبنانيون يتحدثون عن سانتياغو نصار، الذي هو في هذه الحال لبنان. وقبل أسبوعين قالت إحدى محطات التلفزيون في نشرتها الرئيسية: السؤال ليس هل بدأت الحرب بل لماذا لم تبدأ حتى الآن؟ لماذا تأخر الشقيقان فيكاريو وصَبَرا على انتهاك شرف العائلة؟ تحدّث اللبنانيون في الآونة الأخيرة عن الحرب، وكأنها سوف تقع في بلد آخر وعند شعب آخر. وهي آفة قديمة في الشعوب أفضل من صوَّرها الإيطالي بوكاشيو في رواية "ديكاميرون". فيوم ضرَب فلورنسا الطاعون، الموت الأسود، ذهبت سبع سيدات وثلاثة رجال إلى قصر بعيد مع خادماتهم، وأخذوا ينتظرون نهاية الوباء، لكن الوباء كان يزحف فيما هم يروون الحكايات، عشراً منها كل يوم.السياسة دوائر، يقول علماؤها. الدائرة الفارغة والدائرة المفرغة. دائرة الشر ودائرة اليأس ودائرة الأمل. ونحن ننتقل من واحدة إلى أخرى، من دون تأمّل بالأخيرة. لماذا؟ لأن الشقيقين فيكاريو هما البلدة كلها. يتحدث جميع اللبنانيين عن انهيار الدولة وكأن عدم انهيارها مسؤولية الهلال الأحمر الماليزي. يُسأل عن وجودها أولئك الذين فتكوا بوجودها يوماً يوماً وعاماً عاماً وعقداً بعد عقد. يُسأل أين جيشها أولئك الذين ذبحوا رجاله في الشمال والبقاع وبيروت ونهر البارد. أين هو؟ عند فرنسوا الحاج وسامر حنا. والآن عند شهداء عبرا، الفوج الجديد من شهداء العبَث بالدولة والاستهانة بكرامة الناس وحقوقها وحياتها وأرزاقها وأمنها.من يريد دولة لا يعيِّرها كل يوم. ولا يردح عليها كل ساعة. ولا يرتضيها من دون انتخابات أو حكومة أو رابط أو لقاء. وطن بأعلام كثيرة لا يقيم دولة بعلَم واحد. وشعب بسيوف كثيرة لا يستوي في وطن واحد. ليس هناك أكثر من خيار: إما الدولة وإما العشائر. وخيارنا هو العشيرة، بعد 70 عاماً من الاستقلال، وشرعة حقوق الإنسان، و150 عاماً على أمهات الجامعات.من صيغة رؤيوية شفافة يضعها الكلداني ميشال شيحا كي يتحول التعدّد باقة الشرق، إلى نداء العشائر، سلاحية وتلفزيونية وسياسية وخلافها. كان يُنظر إلينا على أننا متميزون بالتطور والانفتاح والحريات والثقافة والآداب وفيروز. وكنا "ها لكم أرزة العاجقين الكون" فأصبحنا حطباً معجوقين بعضنا بالبعض.التميز الحقيقي الوحيد كان في القدرة على الالتقاء، لا على درب الوطن بل على درب التقدم، وعلى التحصن ضد نزعة المنطقة إلى العنف والتعصب وانعدام الرؤيا الاجتماعية والاقتصادية، واحتقار النظام العربي لكرامة البشر ومستقبل أبنائهم. أما الآن فإلى اللقاء في عبرا.يقول الدكتور محمد البرادعي: "تنضم الناس إلى الحزب الحاكم في العالم العربي من أجل الحصول على سماد أو وظيفة". ويصف البرادعي الرئيس حسني مبارك في سنوات السلطة الأخيرة بأنه كان رجلاً من الماضي، يتحدث ولا يسمع، يغرق في ذكريات السنوات الثلاثين، "يُشعرك وكأنك تصغي إلى جدك". تذكِّر حوارات البرادعي مع الزميل غسان شربل، بموقف الأمة من العلم والفكر وذوي الرؤيا. كان أمام مبارك رجل يحمل "نوبل" ونصف قرن من الخبرة القانونية وسمعة دولية باهرة، فكيف تَعامَلَ معه؟ عندما قرّر البرادعي دخول السياسة أرسل مبارك في أثره رجال المخابرات، ودخل هؤلاء على المراسلات الإلكترونية لابنته، وبثّوا جميع أنواع الشائعات والتشاويه. وعندما وصل محمد مرسي بعد "الثورة"، اجتمع معه البرادعي ساعة كاملة ووجد في الرئيس الديني ما وجده في الرئيس العسكري: يُحب الكلام ويكره النصيحة والحقائق ولا يستسيغ كثيراً المفكرين. عبَث رجال الحزب الواحد بكل أمل من آمال الأمة في التقدم والترقي.يسبق الرئيس في دول الأرض، مستشاروه. الرئيس العربي يصل من الثكنة خاتماً علوم الأرض والسماء. الملازم معمر القذافي جاء من خيمة فقيل إنه "رسول الصحراء". أول ما فعله إلغاء كل فكر وكل مثقف وكل متعلم. ولما وجد أن لا أحد مثله سوى عائلته، قال حسناً، إذاً أنا وأولادي والمحامية عائشة وأمهم صفية فركاش، الإضافة الوحيدة كانت في النسب: زوج شقيقة صفية فركاش، الذي سوف يتولّى القباحات القصوى في حكم الشعب وأمجاد الفاتح من سبتمبر.كعادتنا في الابتكار أضفنا هنا كلام الأزقّة ونقلناه إلى أثير الانترنت. ثمة من يدافع عن شتّام استُخدم في مخاطبة رئيس الجمهورية. كلمات كانت تُسمع فقط على شرفات السوق. هذه ليست لغة فرد لا يزعجه أن تردّ تلك التعابير بتوقيعه الصريح، هذه لغة عصره. هذه آداب الغضب والحمَق كمسلك دائم في معاملة الناس، أفراداً أو مقامات. العصر المضيء صار ذكريات: على الجدار الخارجي للجامعة اليسوعية تُرفع ثلاث مئويات: كلية الحقوق وكلية الطب وكلية الهندسة. لاحظوا أن صروح العلم كلها قامت في زمن غابر. وقبل قرن وأكثر.إلى ماذا يؤدي تدمير دولة القانون والعدالة والفُرص؟ إلى ما ترون، مما لا وصف له. إلى مَثَلين صاعقين: كوريا الجنوبية المنافسة الآن لليابان، وكوريا الشمالية التي لا منافس لها إلا نفسها. وبالكاد! مواطن بلا حقوق يقيم دولة بلا حرمة. هكذا تبدو دول النظام العربي آيلة الى الانهيار الكلّي، بعد نصف قرن من صناعة وزراعة الكلام فيما بقيت الأرض جرداء والأفعال خرساء والناس عاطلين عن العمل، أسرى الوظيفة ورخصة السماد.في السنوات الخمسين الماضية انتقلت أوروبا إلى الوحدة، وأميركا إلى المرّيخ، والسوفيات إلى الحرية، والصين إلى الازدهار، وكوريا الجنوبية إلى التفوّق الصناعي، وأميركا اللاتينية إلى الاستقرار، والهند إلى الألمعية، وجنوب أفريقيا إلى المصالحة المذهلة، وتركيا إلى المكانة الاقتصادية، وأفريقيا إلى بداية الحياة. وحدها فقط هذه المنطقة تزداد غرَزاً في الوحول والتخلّف والدماء. وحدها تتطور من حروب الطوائف إلى حروب المذاهب ومن العلم إلى العشيرة. من الدولة إلى الخوّة.تطلّعت رئيسة البرازيل في مليون متظاهر، من الباهيا إلى الريو، وقالت لهم ما هذا المشهد الرائع. إنكم ترفعون قيمة الديموقراطية في البلاد.لم تُرسل الجيش ولا الشرطة ولا الجمال ولا الأزلام. مليون متظاهر من شعبها، من فقراء هذا الشعب الذين تنكسر ظهورهم إذا ارتفعت أسعار النقل العام عشرة قروش.هل تذكرون شيئاً اسمه النقل العام؟ هل تتحملون مشهد فتاة مضطرة إلى ركوب "السرفيس"؟ يروي محمد كريِّم في ذكرياته عن بيروت في الحرب العالمية الثانية إن الجرَب ضرب أطفال المدارس، "ولم يكن يُصب إلاَّ الفقراء"، بسبب قلة التغذية. "وكان الطفل المصاب يبكي خجلاً من فقره لا من ألمه". لم نعد نسمع بكلمة جَرَب إلا عندما ظهَر المرض بين النازحين من سوريا. هل يُعقل؟ موت وتشريد وفوقهما جرب أيضاً؟ ألا تبدو كلمة "الانتصار" هنا فاقعة؟ عشرات آلاف القتلى وملايين المشردين ومليارات الخسائر وكل هذا انتصار؟"كأنما تلك البلاد وُلدت للنوى"، يقول فاروق يوسف ("النهار" 23 حزيران) وهو يتأمل انكسار بغداد، فتذكّر الروائي فؤاد التكرلي الذي كان على اقتناع بأنها بلاد ما وُجدت إلا لكي تُحتل. ما هي أقصى حالات اليأس والعبث؟ اشتهاء الاحتلال. عندما تُقارن وتجد أن الاستعمار كان أكثر رأفة بك وأكثر احتراماً للقانون. ليس خوفاً منك بل من قانونه. أميركا لم تُهزم عسكرياً في سايغون وخي سانيه وهايفونغ، بل هُزمت أكثر في تظاهرات واشنطن: الأميركيون نزلوا إلى الساحات يقولون إن الموت واحد في وادي الميكونغ وفي وادي البوتوماك! هذا التهليل لموت الخصم والعويل لموت النصير، دليل مريع على انعدام للحسّ المدني، وعلى عمق البركان الفاصل بين أهل الأسرة الواحدة والأرض الواحدة والكتاب الواحد. الحقد أقوى منها جميعاً، لأنه حِمَم لا تربة. - See more at:

*نقلا عن "النهار" اللبنانية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.