.
.
.
.

تحية إكبار وإجلال إلى شهداء الجيش اللبناني

بديع يونس

نشر في: آخر تحديث:

لا تُفوَّت فرصة في لبنان إلا ويتأكد ثبات الدولة في الغياب. الجيش اللبناني في موقع الضحية تماما كأي "مواطن" لبناني, في وقت وصل التميز في لبنان إلى نقطة تسير فيها السفن بعكس الرياح.

ففيما كان من المفترض والمتعارف عليه ألا يكون المواطن ضحية في "النظام الديمقراطي" إلا أنه كذلك في "الديمقراطية اللبنانية", وفي حين لم يكن يوما عناصر الجيش "ضحية" لتداعيات الداخل السياسية في إطار "دولة", إلا أنهم باتوا كذلك في لبنان على يد الجماعات المسلحة.

في وقت تبقى أهم العناصر لبناء "الدولة" بمفهومها المتعارف عليه دوليا وعلميا بـ "احتكار القوة والسلاح" غائبة عن السيناريو اللبناني.

تحية إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية بعناصرها التنفيذيين خصوصا وأولا، لا المقررين منهم, فللمقررين أجندات سياسية تغذي نظريات الأمن بالتراضي: بعضهم وصوليون يسعون لمركز قيادي في الجيش وآخرون قد يصبحون في رئاسة الجمهورية... فيما ها هم مجددا هؤلاء المنفذون ضحايا للسياسة ويدفعون حياتهم ثمنا مقابل "وصولية" قادتهم.

القائمة لن تطول... والآتي استعراض سريع لأحداث عسكرية في فترة ما بعد "استقلال" لبنان 2005 ـ لبنان الذي يبقى في حال بحث دائم عن الاستقلال ـ نتذكر فيها بعض المطبات التي اعترضت المؤسسة العسكرية, وتواصل اعتراضها في القيام بواجبها السيادي عبر ضربها بيد من حديد, من دون اعتبارات سياسية واستنسابية:

في تموز - آب 2006, خرج حزب الله من الحرب "رابحا" بغض النظر عما كلفت عمليته.

" المقاوِمة" لإسرائيل لبنان. وفي أعقاب الحرب تلك, ثبّت الحزب للرأي العام اللبناني أن قرار السلم والحرب في البلاد حكر عليه, فيما الجيش اللبناني على جنب في موقع المتفرّج , قد لا يتعدى دوره إتباب الامن داخليا، حين يتم رفع الغطاء ويحصل على الضوء الأخضر من "الحزب" لتنفيذ أي عملية عسكرية غالبا ما تصبّ في مصلحة الأخير.

وبعد قرابة السنة والنصف, وبينما كان الجيش بحاجة لإثبات وجوده مجددا في الساحة, ظهر بعض القياديين العسكريين ممن لا يساومون ويرفضون الربط بين العسكر والسياسة تماما كالكولونيل فرنسوا الحاج، الذي تم اغتياله لاحقا ـ وكان من أبرز هؤلاء القادة ـ خرج بطلا من حرب نهر البارد, المخيم الذي بدأ الهجوم عليه لـ"تطهيره" في 20 مايو/أيار 2007 حيث كانت اشتباكات بين الجيش وحركة فتح الإسلام.

وبعد حرب ضروس أودت بـ"خيرة" الضباط الشباب, تمكن الجيش من الضرب بيد من حديد حيث حسم المعركة رغم خطاب السيد حسن نصرالله الذي قال فيه "فلسطينيو نهر البارد خط أحمر" وعندها تأكد ضمنا تواطؤ النظام السوري في إشعال هذا الفتيل باعتبار أن دفاع حزب الله عن "الإرهابيين" المتواجدين داخل المخيم, كان تطبيقا لأجندة الحليف.

وبعد التوصل إلى هدنة إنسانية بين الرئيس السنيورة والوفد الفلسطيني تخللتها اشتباكات محدودة، نزحت خلالها غالبية سكان المخيم البالغ عددهم نحو أربعين ألفا, كانت المفارقة الخبيثة آنذاك: دمشق (في 3 سبتمبر/أيلول 2007 ) تقوم بتهنئة الجيش اللبناني على إحكامه السيطرة على المخيم, لينفي حينها وزير خارجيتها وليد المعلم أي علاقة لبلاده بتنظيم فتح الإسلام، ويؤكد أن سوريا تعتبر مسؤول التنظيم شاكر العبسي "إرهابيا".

بعد معركة نهر البارد عاد الجيش مرفوع الرأس إلى الساحة اللبنانية, بعد سنين جردته خلالها السياسة المنتهجة وقرارات حزب الله الأحادية, هيبته. وعام 2008 ... بعد أشهر على نهر البارد, كانت حوادث مار ميخائيل, التي بدأت باعتصام ـ لأبناء حزب الله وحركة أمل في الشياح ـ على انقطاع الكهرباء, قبل أن يتحول الاعتصام إلى محاولة لدخول "المعتصمين" إلى "عين الرمانة" المجاورة (المعارضة لحزب الله) فكان شباب المنطقة لهم بالمرصاد, وعندها وقع الجيش في فخ السياسة مجددا، فيما القرار المتخذ حينها من قبل القيادات العسكرية أتت بالرئيس الحالي إلى قصر بعبدا, وخرج الجيش من هذه المعمعة المفبركة "مُحجّما" تماما كما أراده مهندسو الاعتصام في حينها.

منذ ذلك الوقت, تعصف بهذا الجيش الرياح من كل صوب, فوجوده الوسطي بين مسلحي حزب الله من جهة والجماعات السنية المتشددة من الجهة المقابلة تجعله في مرمى نيران الفريقين، كلما تم إشعال الجبهة بين الطرفين.

إذا, يبقى الجيش اليوم "ضحية" للجماعات المسلحة, والسلاح غير الشرعي رغم "تشريعه"... فيما شرعية السلاح لا يمكن أن تكون يوما استنسابية، تحت غطاء "مقاومة" كانت, أو تحت أي غطاء آخر.

هذه النظرية تُفسّر لكنها لا تبرر, حوادث عبرا في صيدا. فظاهرة الأسير وإسلاميي عرسال وسلاح المخيمات الفلسطينية وسلاح حزب الله لا يمكن وضعها إلا في خانة "الفلتان" وتثبيت نظرية اللادولة... أو على الأقل الدولة الثابتة في الغياب حتى إشعار آخر.

صحيح أن ضرب ظاهرة الأسير كان فعلا قرارا صائبا لإعادة "هيبة" هذا الجيش, والحدّ من قيام أي ظاهرة من هذا النوع مستقبلا, بينما يبقى المؤسف اضطرار هذا الجيش في كل مرّة إلى إثبات وجوده, بينما يظلّ الأكثر أسفا اضطراره إلى استئصال الأعضاء المهترئة من جراء المرض الخبيث المتفشّي في الجسم اللبناني, حتى إيجاد العلاج الملائم... وحتى اليوم أي علاج غير متوفّر.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.