المستقبل التوافقي في لبنان وجنوب إفريقيا

رغيد الصلح
رغيد الصلح
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

يلاحظ آرندت ليبهارت عالم السياسة ومؤسس نموذج الديمقراطية التوافقية، أن الاعتقاد السائد بين المعنيين بقيام الأنظمة السياسية في المجتمعات التعددية أنها تراوح عادة بين أنظمة أكثرية تشبه نظام وستمنستر البريطاني، من جهة، وبين أنظمة ديمقراطية توافقية من جهة أخرى . في الحقيقة، يعتقد ليبهارت أن الخيار الحقيقي بعيد عن هذه الصورة، إذ إنه يراوح في هذه المجتمعات بين النظام التوافقي وبين النظام الأوتوقراطي . ويخشى البعض أنه في ضوء التطورات التي تطرأ على لبنان وعلى جنوب إفريقيا، فإن البلدين اللذين يضمان مجتمعات تعددية الطابع، يواجهان مثل هذا الخيار الصعب .ففي لبنان فشلت كل المساعي الرامية إلى تشكيل حكومة ائتلافية تضم الأحزاب والأطراف الرئيسة في الحياة السياسية .

هذه الحكومة تعد أحد الأركان الأربعة الرئيسة للنظام الديمقراطي التوافقي . بل إن الائتلاف الكبير هو خيار تلجأ إليه أية نخبة حاكمة-توافقية أم غير توافقية- تجد نفسها غير قادرة بمفردها على قيادة البلاد وضمان مصالحها وأمنها وحريتها . لقد جاء تكليف تمام سلام رئاسة الحكومة الجديدة لكي يعكس هذه النظرة . ولكن الرئيس المكلف يدور في حلقة مفرغة: فمن أجل تحقيق ولو الحد الأدنى المطلوب من الوحدة الوطنية في البلاد لا بدّ من تشكيل مثل هذه الحكومة . ولكن من أجل الوصول إلى مثل هذه الحكومة لا بد من توافر ولو الحد الأدنى من التوافق الوطني بين “الآذاريين اللبنانيين”، أي بين الأطراف السياسية الرئيسة في لبنان .

التوافقيون يرون أن تشكيل مثل هذه الحكومة ضروري، لأن مواجهة التحديات الضخمة التي تواجه بلداً صغيراً كلبنان تتطلب حكماً من هذا النوع . إن تداعيات الحرب السورية وحدها تحتم قيام مثل هذه الحكومات، فما بالك بالتحدي “الإسرائيلي” المتمثل بالإصرار على انتهاك السيادة اللبنانية براً وبحراً وجواً وبمشروعات الاستحواذ على قسم من ثروات لبنان الطبيعية والاستمرار في احتلال أراضٍ لبنانية في شمال الجليل؟ وما بالك بالمشكلات الداخلية المتفاقمة وفي مقدمتها مشكلات البطالة والغلاء والتلوث والصحة، والفقر المستدام الذي اتسع مداه فطال نسبة عالية من الطبقة المتوسطة اللبنانية، وتراجع مستوى التعليم في بلد كان يفخر بأنه بلد الإشعاع والنور؟

لا يقلل التوافقيون من العقبات التي تحول دون تشكيل الحكم الائتلافي . فهناك خلافات جدية بين الآذاريين حول المشكلات المشار إليها أعلاه، فضلاً عن خلافات بالنظرة إلى الدولة أساساً: هل هي دولة دينية أو غير دينية؟ وإذا كانت دولة دينية، فهل تدين بمذهب ديني معين أو لا؟ . . وهناك خلافات حول علاقة لبنان بمحيطه وبالعالم الذي ينتمي إليه؟ كل ذلك يجعل التوافق على تشكيل الحكومات أمراً صعباً ولا شك، ويدفع معارضي الحكم التوافقي إلى إيثار الحكم الأكثري عليه . ولكن في بلد منقسم عمودياً، وبين فريقين متعادلين في موازين القوى، هل تملك حكومة اللون الآذاري الواحد أكثرية كافية للإجابة عن الأسئلة والإشكاليات المصيرية التي تواجه لبنان حالياً؟ إن أياً من الفريقين الآذاريين لا يملك مثل هذه القوة، ولا يملك القدرة، منفرداً، على الاستجابة إلى حاجات اللبنانيين ومطالبهم من دون اللجوء إلى البطش والقمع بغرض إسكات الفريق الآخر .

ما يواجهه لبنان بسبب عوامل تاريخية وجيوسياسية وديموغرافية متفاقمة، تواجهه دولة جنوب إفريقيا اليوم مع أفول ورحيل شخصية عالمية واستثنائية بحجم نلسون مانديلا . مثّل مانديلا الأمل الدائم في انتقال إفريقيا من حال الفقر والتخلف والبؤس إلى حال الغنى والتقدم . ومثل مانديلا الأمل الإفريقي في الانتقال من الإرث الاستعماري إلى رحاب التحرر، والانتقال من الإرث الاستبدادي إلى باحات الحرية ومنابرها .

يترك مانديلا إفريقيا وهي في أمس الحاجة إليه وإلى زعامته التي تخطت الانقسامات العرقية والقبائلية والحزبية والجغرافية . فهذه الانقسامات عميقة الجذور في الجسم الإفريقي . ففي دولة جنوب إفريقيا تبلغ نسبة الفقراء بين السود 62 % بينما لا تزيد بين البيض على 4% فقط، وبين هؤلاء الفقراء فإن حوالي 56 % يعيشون تحت خط الفقر بينما ينطبق هذا على 2% من البيض في جنوب إفريقيا . وتسيطر الأقلية البيضاء، أو ما تبقى منها رغم الهجرة الواسعة بين أفرادها، على القسم الأكبر من الأراضي وعلى القطاع الصناعي في البلد . وقد باشرت الحكومة مشروعات الإصلاح الزراعي التي تقتضي توزيع 30% من 80 مليون هكتار يملكها البيض على الأفارقة السود . ودرست حكومة المؤتمر الوطني الإفريقي إمكان تأميم الكم الكبير من المناجم التي يمتلكها البيض، ولكنها توصلت إلى أنه من الأفضل تأجيل هذا القرار إلى وقت لاحق تجنباً لإلحاق مصاعب اقتصادية في جنوب إفريقيا بينما يسير البلد على طريق تحسين أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية .

ويعاني الأفارقة السود في جنوب إفريقيا نسب البطالة العالية، وتفوق البطالة هنا نسبة البطالة في العديد من الدول النامية لأسباب متعددة من أهمها ضآلة الاقتصاد غير الشرعي في جنوب إفريقيا، إذ لا تزيد نسبة العاملين فيه على 15% من نسبة اليد العاملة السوداء في جنوب إفريقيا . بالمقارنة فإن نسبة العاملين في الاقتصاد غير الشرعي في البرازيل والهند تصل إلى نصف اليد العاملة في البلدين .

يقدر بعض المعنيين بأوضاع القارة الإفريقية أن التوترات المجتمعية سوف تتفاقم في إفريقيا الجنوبية . ويعزو البعض هذا الاحتمال إلى صعود زعامات جديدة وشابة داخل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم . ولقد بدأ البعض من هؤلاء يطرح بصورة متزايدة مسألة “تصفية بقايا نظام الأبارتايد” في جنوب إفريقيا عن طريق تأميم أراضي البيض وممتلكاتهم الواسعة كما فعل رئيس زيمبابوي في بلاده . في مواجهة هذه الدعوات، كان مانديلا يؤكد ضرورة الالتزام بالاتفاقيات التي عقدت بين البيض والسود في جنوب إفريقيا، وعلى احترام التعهدات التي أعطيت للبيض بالامتناع عن المساس بما يعتبر بمثابة حقوق تاريخية موروثة . ولكن في اللحظة التي يغادر فيها نلسون مانديلا عالمنا هذا، فإن الباب سوف ينفتح على مصاريعه لكي يلجه دعاة التحلل من التعهدات التي أعطيت إلى الأقلية البيضاء في إفريقيا الجنوبية، وهو ما قد يفتح الباب أيضاً أمام تحويل جنوب إفريقيا إلى دولة “المؤتمر الوطني الإفريقي”، أي دولة للحزب الواحد>

نقلاً عن صحيفة "الخليج الإماراتية".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط