.
.
.
.

سياسة إيران الخارجية بعد نجاد

يوسف مكي

نشر في: آخر تحديث:

احتفل الإيرانيون بفوز المرشح الرئاسي الإصلاحي، حسن روحاني، بعد تنافس غير متكافئ مع المرشحين المحافظين، لمصلحة الرئيس المنتخب . وبذلك انتهت هيمنة المحافظين التي استمرت لدورتين متتاليتين، تحت قيادة أحمدي نجاد . السؤال الذي نحاول تقديم إجابة عنه في هذا الحديث، هل ستشهد إيران فعلاً انتقالاً رئيساً في سياستها الخارجية، بما ينهي عزلتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، ويسهم في حل المشكلات العالقة في الملف النووي .

الجواب عن هذا السؤال، لن يكون ممكناً إلا إذا جرى التيقن من أن الرئيس الإيراني، بوصفه القائد الأول في الدولة يملك فعلياً إدارة الملفات السياسية الساخنة، بموجب الدستور واللوائح الأخرى، الخاصة بتنظيم العلاقات بين مراكز القوى في الجمهورية الإسلامية .

واقع الحال، يشير إلى غير ذلك، فقائد الثورة الإسلامية، الولي الفقيه، هو الحاكم بأمره، من حيث إمساكه بالملفات الاستراتيجية . وهذا ما أكده الرئيس الذي انتهت ولايته، أحمدي نجاد، حيث نفى في الأيام الأخيرة، أية علاقة له بالملف النووي، وعدم معرفته بتفاصيل ما يجري في كواليس قائد الثورة حول هذا الموضوع . ومسؤولية الولي الفقيه عن القرارات الاستراتيجية، ليس بحاجة إلى تأكيد نجاد أو غيره من المسؤولين الإيرانيين، فالولي الفقيه هو الذي يصدر قرارات الحرب والسلم، وهو الذي يوافق على السياسات، وهو وحده الذي يملك حق إلغاء أي قرار، ومن أي جهة صدرت، سواء من الرئيس أو من البرلمان أو من مصلحة تشخيص النظام . وهناك سوابق كثيرة في هذا السياق .

هل كان النصر الكاسح لروحاني، هو فعلياً، تعبير عن موقف الجمهور الإيراني فقط، أو أنه أيضاً رغبة لدى المرشد؟ هنا تحضرنا الانتخابات الإيرانية السابقة، حيث وقف معظم المحافظين خلف نجاد، وقدموا له الدعم في حملته الانتخابية، ووقف من خلفهم الولي الفقيه، خارجاً عن حياده، مقدماً التأييد لنجاد . وبرز بوضوح في تلك الانتخابات أن الإصلاحيين أيضاً خاضوا الانتخابات بروح تضامنية مع بعضهم، وأنهم في نهاية الأمر، تركوا الساحة للمهندس مير حسين موسوي، مدعوماً بالتفافهم حوله .

في هذه المرة، وخلافاً للدورة الانتخابية السابقة، التف الإصلاحيون حول فرد من خارج دائرتهم، بسبب نبرته التصالحية، وفوتوا الفرصة على المحافظين للفوز في هذه الانتخابات . وعلى النقيض من ذلك، خاض المحافظون هذه الانتخابات دون استراتيجية واضحة، وبدوا طوال الحملة الانتخابية يتصارعون مع بعضهم، بدلاً من توحيد قواهم، في مواجهة خصمهم روحاني الذي بدت حظوظه بالفوز قوية، وبشكل خاص وجلّي في الأيام الأخيرة للحملة الانتخابية .

والسؤال البديهي الذي يواجهنا، هل كان فوز روحاني الذي تجاوز ال 50% وفي الدورة الأولى، من غير حاجة إلى دورة أخرى، محض مصادفة، وتعبيراً عن التفاف معظم الإيرانيين حول مطلب الإصلاح، أو أنه جاء ملبياً لرغبة المرشد العام للثورة السيد علي خامنئي، بعد أن عانت إيران، خلال أكثر من عقد، حصاراً اقتصادياً غربياً، وجرى خلاله تهديدها، من قبل الأمريكيين عدة مرات، باستخدام القوة المسلحة، للحيلولة دون استكمال بناء برنامجها النووي؟

لا شك أن الإصلاح هو مطلب لأغلبية الإيرانيين، ولذلك انتفضت معظم المدن الإيرانية الرئيسة احتجاجاً على فوز نجاد، واتهمت المشرفين على فرز صناديق الاقتراع بالتزوير، تماهياً مع رغبة قائد الثورة، لكن النظام تمكن من قهرها .

دخل المحافظون الانتخابات، ممزقين، ولا جدال بأن تنافسهم ضد بعضهم، كان بالإمكان لجمه من قبل آية الله خامنئي، لو أراد ذلك . فجميع هؤلاء هم من أتباعه، وبعضهم من دائرة المقربين إليه . والنتيجة أن المرشد أراد التخفيف من حدة توتر علاقة إيران مع القوى الكبرى، وأيضاً مع الجوار الإقليمي، وبشكل خاص دول مجلس التعاون الخليجي، فشجع على فوز روحاني . ولا شك في أن كون الرئيس المنتخب لا ينتمي بشكل حاسم إلى التيار الإصلاحي، ولا إلى المحافظين، بل هو بين منزلتين، جعل منه شخصاً مقبولاً في هذه المرحلة، لدى الولي الفقيه، ورجح من حصته في هذه الانتخابات .

ما يدفعنا إلى ترجيح هذا السيناريو، هو ما عرف عن روحاني من نبرة تصالحية في المحادثات النووية التي أجراها مع الأمم المتحدة، بما يخدم سمعة إيران على الصعيد الدولي . فقد ترأس محادثات مع الغرب، وخلالها وافقت إيران على تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم عام 2003 إلى حين إجراء مزيد من المفاوضات بشأن امتيازات تجارية ودبلوماسية لإيران . لكن الاتفاق اصطدم بغياب الثقة بين إيران والغرب، ما أعاق تنفيذه .

عرف روحاني، بخبرته وحنكته . فقد ترأس المجلس الأعلى للأمن القومي خلال رئاسة رفسنجاني، الذائع الصيت ببراعته في السياسة الواقعية . كما عمل مع الرئيس خاتمي الذي أجرى إصلاحات اجتماعية وسياسية واسعة . وقد تعرقلت محاولاته من قبل متشددين يحتلون مواقع بارزة في المؤسسة الدينية وقادة الحرس الثوري .

وفي هذا السياق، يؤكد روحاني، أنه خاض الانتخابات بشراكة رفسنجاني الذي استبعد من الترشيح للرئاسة، من قبل مجلس صيانة الدستور، لأن وصوله إلى سدة الرئاسة، من شأنه أن يمثل تهديداً كبيراً لمكانة خامنئي . وقد خرج أنصار الرئيس السابق خاتمي عن صمتهم، وساندوا روحاني في معركته الانتخابية .

انتقد روحاني السياسة الخارجية الإيرانية، خلال الفترة التي تولى فيها نجاد قيادة البلاد، ووعد بأن حكومته في حال انتخابه ستقوم بالمصالحة مع دول العالم، للتقليل من الحظر الذي تعانيه بلاده . وأكد روحاني في الوقت ذاته على عدم استسلام الشعب الإيراني للظلم . وبهذا البرنامج، نجح روحاني في حشد أصوات الطبقة المتوسطة والشبان ممن عانوا على مر أعوام حملات أمنية أحبطت أي معارضة .

وجاءت ردة الفعل العالمية مؤكدة ذلك، حيث تسابق قادة الغرب للترحيب بنتائج الانتخابات، وأبرق معظمهم إلى روحاني، مهنئين له بتسلمه منصب رئيس جمهورية إيران الإسلامية .

هل تفي هذه القراءة لتقديم إجابة عن السؤال الذي طرح في صدر هذا الحديث؟ الجواب كلا، فنحن بحاجة إلى تقديم قراءة استشرافية، عن سياسة إيران في المرحلة المقبلة، وبشكل خاص علاقتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، وإمكان حل المشكلات العالقة، وذلك ما ستكون لنا معها وقفة في الحديث المقبل بإذن الله .


*نقلاً عن "الخليج" الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.