.
.
.
.

العسكر والأزمة في مصر

جهاد الخازن

نشر في: آخر تحديث:

للمرة الأولى في حياتي، وأنا في هذا العمل منذ كنت في التاسعة عشرة، أدعو الى تدخل عسكري في حكم مدني.

أكتب قبل ظهر الأربعاء، بحكم توقيت طبع الصفحة الأخيرة من "الحياة"، ولا أعرف ما سيحدث مع إنذار الجيش المصري بعد الظهر، وأطالب الجيش بتسلم الحكم في مصر لمدة أقصاها سنة يعدَّل فيها الدستور وتجري انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة.

لا أدعو الى إنقلاب عسكري، وحتماً لا أريد لمصر 60 سنة أخرى من حكم الكولونيلات والجنرالات، إلا أنني أطالب بفترة إنتقالية أقصاها سنة لأن الوضع الحالي في مصر، بلد كل العرب، لا يمكن أن يستمر.

الرئيس محمد مرسي يقول إنه الرئيس المدني الأول المنتَخَب شرعياً في مصر، وهو يرفض أن ينظر حوله ليرى أن غالبية من شعب مصر سحبت بساط الشرعية من تحت قدميه.

هو في سنة واحدة خسر ثقة الغالبية، فقد انتقل من خطأ الى خطأ أكبر الى فشل. أكتب وليس لي أي موقف ضد الأخوان المسلمين فهم جزء مهم من مكونات الشعب المصري، ولكن أحاسب الرئيس محمد مرسي على ما وعد ولم يُنجز، وأقول إن خيرت الشاطر كان حتماً سيُظهر معرفة أوسع وأعمق بإدارة الحكم، إلا أن سجله القضائي حال دون ترشيحه. وكنت أفضل لو أن الجماعة اختارت عصام العريان مرشحاً للرئاسة، فعنده خبرة سياسية وممارسة عملية، إلا أن الجماعة، كالعادة، قدَّمت الولاء على القدرة والآن مصر كلها تدفع الثمن.

الرئيس طلع على المصريين ليل الثلثاء بخطاب أصرَّ فيه على أن "لا بديل عن الشرعية الدستورية القانونية الانتخابية"، وهذا صحيح إلا أنه لا ينطبق على رئيس وعد وعوداً محددة ولم ينفذها، بل زاد الوضع سوءاً على يديه، حتى أننا رأينا حسني مبارك وقد استرد صحته وبسمته الساخرة، تشفياً بالرئيس الذي خلفه.

وعرض الرئيس مرسي في خطابه مبادرة تتضمن تغيير الحكومة وتشكيل حكومة إئتلافية من الطيف الوطني ولجنة وطنية متوازنة لصياغة الدستور، واتخاذ إجراءات لضمان نزاهة الانتخابات القادمة وشفافيتها.

لو قدم الرئيس مرسي مبادرته هذه قبل ستة أشهر أو ثلاثة لربما كانت قُبِلَت، إلا أنه تأخر وقاوم ورفض الاعتراف بتحوّل الرأي العام المصري ضده، وهو طلع بالمبادرة بعد أن أجمعت الجهات المعارضة على رفض الحوار معه.

لاحظت مرة بعد مرة في خطاب الرئيس إشارته الى "الشرعية" من دون أن يدري أن الشرعية تقوم على الانجاز، وهو ما لم يحصل فما رأيت مع المصريين أن الرئيس لا يتخذ قراراً حتى تقول له المحاكم أن قراره غير قانوني، من انتخابات مجلسي البرلمان الى تعيين المدعي العام الى الدستور وكل قرار أساسي آخر.

وأقول مرة أخرى إن الحزب الديني، سواء كان في مصر أو تركيا، يقدم الولاء على القدرة، لذلك رأينا الجماعة تعيّن أعضاءها في الوزارات ودوائر الدولة كلها، ولذلك رأينا الفشل العام في الأداء الحكومي، وفي تحقيق مطالب الشعب وهي "شرعية" بكل المقاييس لا تتجاوز لقمة العيش والضمانات الصحية والاجتماعية والتعليم.

القوات المسلحة المصرية اليوم أمام اختبار كبير، فهي لم تحارب منذ 40 سنة، وميزانيتها السنوية أكبر بند في الميزانية العامة للدولة. واجب القوات هذه أن تثبت أن استثمار الشعب في جيشه كان استثماراً حكيماً يؤتي ثماره في الأزمات.

المصريون لا يستطيعون أن يتظاهروا مع هذا أو ضد ذاك ليل نهار، فهم لو عملوا جميعاً تظل أوضاع مصر صعبة بسبب عدد السكان. والتظاهر بطالة مكشوفة وغير مقنَّعة أو مقنِعة.

أطالب بتدخل القوات المسلحة لأجَل محدود، ولا أريد إنقلاباً عسكرياً، ثم أرجو أن يكون طلبي هذا الأول والأخير من نوعه في حياتي العملية.
نقلاً عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.