"السقوط" إلى الأعلى

نسيم الخوري
نسيم الخوري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

سقطت أنظمة الحكم المتشدّدة قومياً وأيديولوجياً في بلدان العرب أو أسقطت أو تفكّكت أو ضعفت، وتركض أنظمة التشدّد الإسلامي التجريبية بدورها نحو السقوط، حتّى ليصح التساؤل، سواء أكان الغرب منغمّساً بما يحصل في مصر أم لا: هل فشل التطرّف أو التشدّد الإسلامي أو بدأ يسقط فوق لسان الرئيس المصري السابق محمّد مرسي ومن ساحات مصر؟


يمكن مقاربة مستقبل الحكم في بلادنا في ضوء أمرين: أولاً، سقوط نهائي للحدود والجدران بين الشعوب والبلدان والجماعات والثقافات، وثانياً فهم خصوصيات أنظمة الحكم الإسلامي المعتدل وتنوعها . طبعاً هذا زمن الأسئلة الصعبة التي تجعلنا نعيد النظر بمعظم المقاربات والتوصيفات أو التعريفات أو السياسات التي تناولت أنظمة الإسلام والمسلمين ككتلة واحدة سيق الكلام عنها بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد .


إن الإسلام في جوهره واحد، لكنّه متعدّد في الحكم . قد ينافس الغرب بنهضاته ومظاهره، وقد يعادي العالم إلى درجة الكره . وقد نجد في الإسلام معظم صيغ الحكم من الملكية إلى دول الحزب الواحد، إلى الدول المصرّة على بقايا الاشتراكية، إلى الإخوانية الطريّة المتعثرة، إلى الديمقراطية منها ولكلّ منها هويتها الخاصة بها . وقد نجد في “الثورات” العربية المتنقّلة بين العراق وتونس وسوريا مروراً بمصر وليبيا واليمن وقبلهم في لبنان، أصوليات وتطرّفاً وتكفيراً وإمارات متشددة لا يمكن أن يقرّها الإسلام كدين مبادئ وإيمان وأصول حكم، لأنها ولّدت ببساطة تشظيات مذهبية وربطت بتعميمٍ مطلق خاطئ بين المسلمين وجماعات الإرهاب التي باتت ترتدّ على الغرب، وتخلق نوعاً من الرفض الجذري لها لدى المسلمين كما الآخرين .


وإذا كانت فرضية سقوط حكم الإخوان المتجلبب بياقات الغرب المنشّاة حاصلة، فيمكننا توقّع سقوط معظم النظريات والأفكار التي مهّدت لذلك منذ هنري كيسنجر حتّى صموئيل هنتنغتون سلباً أم إيجاباً، لأنّنا وكأننا على أبواب قراءة أكثر عقلانية للإسلام/ السلطة في ضوء الكثير من التجارب الثابتة . ألسنا نتصوّر بأنّ دروساً واضحة لم يأخذها المسلمون المتشددون عندما شحن الفكر البشري في القرن التاسع عشر بالأفكار القومية ثمّ بالأفكار والأيديولوجيات الثورية في القرن العشرين وسقطت كلّها، ومعها تسقط اليوم فكرة صدام الحضارات والثقافات والديانات كضرورة للفيض الاقتصادي وإخضاع الشعوب؟ ها نحن نمتلئ مجدداً ببعث مشاهد صور الدماء التي لم تعرف اليباس في جسد الشرق الأوسط، وكأن سقوط الجدران والهياكل الكثيرة والأنظمة الملتبسة مسائل يصعب فهمها على الشعوب التي لم تهضم فكرة الدمج الأبدي بين دول العالم في المصالح وأنظمة الحكم . صحيح أن هناك حقائق حضارية تشغل العصور وتملؤها، ولكن ليس هناك من لاتناهٍ في حياة الدول وحضارات الشعوب وأنظمة الحكم مهما بلغت قوّتها ونفوذها إذ تهمل الاعتدال .


فقد شغل المسلمون عقل الغرب وسلوكه واستراتيجياته ومابرحوا . وكان يبهرني، منذ ثلاثة عقود، كقارئ متخصص بالدراسات الإسلامية مساعد للمستشرق أندريه ميكيل في جامعة السوربون، هذا الاهتمام المثير على الإسلام والمسلمين: دراسات، جمعيات، محاضرات ومنتديات وميزانيات، وكراسي أكاديمية في أعرق جامعات العالم، لا همّ لهم سوى فهم المسلمين واللغة العربية وتعلّمها . مات أندريه ميكيل مفنياً حياته بحثاً في غريب وعجيب “ألف ليلة وليلة” ومثله كثر . في أمريكا وبريطانيا مثل أوروبا، يشغل المسلمون الهمّ الفكري والاقتصادي والسياسي وكأنهم المعضلة المستعصية في القرن الواحد والعشرين، على الحلول الجذرية . كانت إشكاليات الفكر والنقاشات والتفاهمات الصعبة، بل المستحيلة تدور، من وجهة نظري، في إقناعهم بضرورة التفريق عند الكلام عن الإسلام بين الإسلام كدين عقد سبحة التصافح بين الأرض والسماء طافح بالسماحة والعدالة كما الأديان . وكنت أجهد في التفريق بين المسلمين أنفسهم كجماعات تتمايز كثيراً عند ممارسة السلطة وأنظمة الحكم في بلاد المسلمين . هي سنن الحكم بشكلٍ عام . وأجهد في التفريق أيضاً بين مسلمي العرب يجمعهم الدين واللغة المتلاحمان عن الدول الإسلامية الكبرى الممارسة للدين لكنها خارج العربيّة . ولقد توجّس عقلي المنقوش بالعربية من انزلاقي الساذج في لعب الغرب السياسية المحشوّة بالمصالح، خصوصاً، عندما قرأت مقالة لهنري كيسنجر مفادها أنّ من سابع المستحيلات خلق التفاهم مع معظم المسلمين في الشرق والغرب، كما بين المسلمين في تشتتهم من حيث المرجعية في ممارسة السلطات، وخصوصاً السياسات الخارجية لتلك السلطات والبلدان . يقول: كيف نتفاهم مع قاطني هذا الجزء الواسع من العالم في قارتي آسيا وإفريقيا؟ كيف نفهم الإسلام والمسلمين وقد باتوا في كلّ بلد في العالم؟ هل نتكلم مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج كمرجعية واحدة للإسلام والمسلمين أم نتكلم مع أفغانستان أو مع باكستان أو مع تركيا أو مع إيران أو مع مصر والمغرب وليبيا وسوريا وغيرها؟ هل كان محقّاً؟


بالرغم من تشبثنا القومي ووعينا إلى سياسات التجزئة والتفتيت المألوفة، وإلى الإبقاء على “إسرائيل” رصيداً مؤجلاً ومخزوناً استراتيجياً، فإنّنا نراه محقّاً أمام تلعثم رئيس مصر السابق محمد مرسي في الحكم والتشويه الحاصل لصورة الإسلام في حكم جماعات التطرّف بما يكشح التوجس والخوف من تلطيخ مفاهيمنا وقناعاتنا وحبرنا بوحل المؤامرات . يسقط التشدّد في الدين والحياة اليومية والسلوك كما يسقط التشدّد في القوميات والأيديولوجيات . لا ضرورة للتذكير، إذاً، بمقولات صموئيل هنتنغتون في تقاتل الحضارات الأرضية السبع: الصينية واليابانية والإسلامية والهندية والسلافية واللاتينية الأمريكية والكونفوشيوسية التي تزول كلّها لشرعة الأقوى، ولن يستمر منها في القرون المقبلة سوى حضارات ثلاث هي الغربية والإسلامية والصينية . تسقط بدورها .


قد تنصاع بعض الأنظمة وتتفاهم مع الغرب، وقد ترفض الشعوب الاثنين أي الغرب وأنظمتها وقد يكرهونهم بالقدر الذي يكرهون فيه الغرب و”إسرائيل”، لكنّ الاعتدال والعدالة سمة الديمومة في الحكم في القرن الواحد والعشرين ولو كان باسم الدين . لماذا؟ لأنّ وقع الدماء والقتل والتهجير والتدمير والعنف الصاخب الحاصل ينسف جوهر الاعتدال ويهدّد وحدة الجوهر في الإسلام، ويبقي على اثنين لم ولن يفهما الإسلام: الغرب والمتشدّدون من الجماعات الإسلامية في لعبة السلطة، والسبب أنّ الأديان التوحيدية لا “تسقط” إلا إلى الأعلى، أي إلى الله .

نقلا عن صحيفة "الخليج" الاماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط