.
.
.
.

في شأن الذي جرى بالمحروسة؟!

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

ما زلنا نتابع توابع ما جرى في يناير (كانون الثاني) 2011 عندما حدث ما قيل عنه زلزال في طبقات الأرض الشرق أوسطية؛ وساعتها كان القول إننا إزاء عملية تاريخية طويلة بدأت، ولن تنتهي في القريب العاجل. وببساطة كان الأمر كله، ولا يزال، أشبه بما حدث في مطلع الخمسينات في القرن الماضي، عندما بدأت سلسلة الانقلابات العسكرية التي انقلبت، بقدرة الإعلام وكاريزما القادة، إلى حالة ثورية استمرت عقدا كاملا، وبعدها استقرت على نظام للحكم للدولة فيها نصيب كبير من التدخل في حياة الناس، وللمؤسسة العسكرية والأمنية قدر كبير من التحكم في حياتهم. تنوعت الأحداث، وقامت الدنيا وقعدت، وبدأت الحرب الباردة وانتهت، ولكن شخصيات مثل زين العابدين بن علي وحافظ الأسد وحسني مبارك والقذافي والنميري وقبلهم جميعا جمال عبد الناصر، ظلت تمتلك المسرح بشخصيات تراوحت بين البطولة والمساخر حسب القدرة على رسم الشخصية، والتبشير بالخرافات. جاء يناير 2011 لكي يرتج الأمر على ذلك كله في موجة ثورية ظهر لها أبطال، ولكنها لم توح بنظم، ولكن الدنيا انقلبت على أية حال عندما انتهت المرحلة الانتقالية بنتيجة تخالف كل التوقعات، وهي أن المجتمعات لم تذهب إلى الأمام بعد ثورة بل ذهبت إلى الخلف. جاء حكم الإخوان المسلمين ومن اشتق منهم من جماعات تراوحت بين السلفية والجهادية والراديكالية بأشكال متنوعة؛ ولكنها كانت مختلفة عن راديكالية الماضي فلم تكن فيما يخص تدخل الدولة في شؤون الناس، أو الموقف من الصراع العربي – الإسرائيلي، وإن باتت في «التمكين» من عقول البشر وأفئدتهم.

وهكذا جاءت إلى الناس موجة ثورية ثانية، لم يكن يهمها الوطنية كثيرا، وإنما أستاذية العالم، وحتى يحدث ذلك فقد كان أمامها وقت طويل تهيمن وتسيطر. وفي دولة مثل مصر كانت المسألة صعبة، وغير هينة، فالمؤسسات ذات تاريخ وجذور، ورغم موجات ثورية كثيرة في الماضي فقد كانت تعرف كيف تتفادى التدمير، وكيف تطوع الواقع الجديد لصالح استمرارية يصعب الحياة بدونها. ولم تكن هناك صدفة أن وجدت حركة الإخوان المسلمين نفسها في مواجهة البيروقراطية المدنية التي تجد صعوبة في تطويع قواعدها ولوائحها لصالح فكر غائم لجماعة سياسية. وحدث الأمر نفسه عندما اصطدمت جماعة الإخوان بالسلطة القضائية، كان ظنها أنه يمكن تحويل القانون بفعل القوانين المقدسة التي تمتلكها إلى واقع يناسبها. لم تكن المسألة أوامر تطاع، وعندما أرسل قانون الصكوك إلى الأزهر لكي يقرر مدى تطابقه مع الشريعة، كانت الصدمة أن التطابق غير حادث. كان الاكتشاف مذهلا أن أصحاب المرجعية الإسلامية لا يفهمون لا الطبيعة الدنيوية للاقتصاد، ولا جوهر الشريعة. بات الصدام حتميا في خطوة واحدة مع مؤسسة الأزهر، والسلطة القضائية، ومن بعده جرت مع كل السلطات الأخرى من جيش وأجهزة أمنية. كانت الدولة المصرية من التعقيد والصعوبة في التعامل بحيث إن جماعة الإخوان عجزت تماما عن إدارتها، فلم يكن هناك بد عند العجز من إحالة الموضوع إلى حزمة كاملة من المؤامرات التي تأتي من أميركا التي يتعاملون بود معها، وإسرائيل التي يحمونها بالضغط على حماس، و«الفلول» الذين كانوا يهاجمونهم في الصباح ويهادنونهم بالليل لاقتسام الغنائم الاقتصادية، والعلمانيين «الكفرة»، وهذه مؤامرة مرنة تمتد وتنكمش حسب الحالة.

ما جرى مهد للموجة الثورية الثالثة، فرغم الموجتين الأولى والثانية، ورغم الانتخابات والاستفتاءات والإعلانات الدستورية، فإن الشارع المصري بقي على حالة من الغليان منذ يناير 2011. لم ينم للمصريين - الشباب خاصة - جفن منذ الموجة الأولى، كان هناك دائما ما يقلق، وظهر أن هناك وفقا لتعبيرات الشباب من يريد «سرقة» الثورة، فصار الخوف أولا من العسكر، ومن بعدهم جاء الإخوان المسلمون وأشياعهم. وعندما جاءت الانتخابات الرئاسية اختار الشباب مرشح الإخوان الذي وضع معهم وثيقة «فيرمونت» التي تضع الأساس لدولة مدنية وديمقراطية يقودها جماعة الإخوان المسلمين. لم تمض شهور كثيرة حتى كانت السرقة واضحة، والخديعة جلية، وفي مصر ساد تعبير أن جماعة «عصير الليمون»- أو من عصروا ليمونا على أنفسهم كي يبتلعوا تأييد الرئيس محمد مرسي، فأصبح هؤلاء أول النادمين المراجعين المعتذرين عما فعلوا. ومن بعدهم تراكمت طبقات الغضب، فالأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية تتفاقم، وخرج الأمر من يد الشباب إلى طوائف عريضة من الشعب المصري في الحضر والريف، وفي العاصمة والأقاليم.

ومن المدهش أن المصريين الذين هجروا الفكر الثوري والثورة وجدوا أنفسهم في حالة ثورية على مدى أكثر من عامين، تنوعت فيها أساليب العمل من أجل التغيير. هذه المرة كانت تقليدية ومبتكرة، لأنها أعادت فكرة «التوكيلات» التي سجلها الشعب المصري لسعد زغلول لكي يمثل الأمة، ولأنها وضعت مفهوم «تمرد» في وثيقة يوقع عليها الناس وتدعوهم للثورة يوم 30 يونيو (حزيران). ربما كانت هذه أول ثورة في التاريخ يحدد موعدها قبل قيامها، ويعرف جمهورها قبل الخروج الكبير. قبل أسبوع من الحدث، وفي يوم الأحد 23 يونيو خرج البيان الأول من القوات المسلحة التي كان واضحا أن لديها من المعلومات ما يكفي لمعرفة أن موجة ثالثة للثورة قادمة، وأن الإخوان المسلمين لن تأخذهم بها رحمة، وأن الصدام سوف تكون نتيجته وخيمة على أمن البلاد. تضمن البيان تحذيرا، ولكن من قرأوه قراءة صحيحة كانوا يعلمون أن مؤسسات الدولة المدنية وفي مقدمتها القوات المسلحة، لم يكن بمقدورها تحمل نجاح خطة «التمكين» التي بدأ الإخوان في تطبيقها. كان الصدام حتميا، ولكن سرعته كانت مفاجئة، ومع ذلك فإن التناغم بين «تسونامي» الثورة الشعبية والقوة المسلحة جعل الموجة تصل إلى غايتها في إطاحة نظام جاء مع الموجة الثانية لكي يأخذ مصر كلها إلى الوراء.

كانت الثورة، ولا زالت مختمرة بين أهل المحروسة، ودون خروجهم الكبير الذي تجاوز 19 مليون مصري، فإن قوة مسلحة من أي نوع لم تكن لتنجح، ولذا فإن الجيش المصري هذه المرة قال إنه سوف يبقى بعيدا عن السلطة والسياسة، وكان مستعدا لتسليم السلطة لقاض، ومن خلال تشاوره مع القوى المدنية بدأت المرحلة الأولى من التغيير. مثل ذلك لم ولن يكون سهلا، فالإخوان لديهم الأسلحة والإرهابيون، والصحافة الأميركية غشيت أبصارها عن ملايين المصريين ولم تجد في الأمر تحولا إلى دولة دينية فاشية، وإنما رأت انقلابا عسكريا وكأنه كان مطلوبا من القوات المسلحة أن تترك الشعب المصري يذبح على الطريقة الشرعية. ألم نقل لكم إن القصة لا تزال في بدايتها وإن فصولها ستتوالى؟!!

*نقلا عن "الشرق الأوسط" الدولية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.