مشكلة الإسلام السياسي
ما حصل في مصر لا شك يثير تساؤلاً مهما حول مدى صلاحية الإسلام السياسي للحكم اليوم في ظل هذا الانفجار الاعلامي والتكنولوجي والتواصل الكبير بين الشعوب وسيطرة الفكر الديموقراطي على أرجاء المعمورة؟
الصورة التي رَسَمتها التجربة المصرية في مخيلتنا تُنذر بأن القضية فيها تحد كبير وعلامات يجب أن نضعها نصب أعيننا عند الحديث عن التجربة الإسلامية. أول ما يتبادر إلى الذهن وقناعة لا تقبل الشك أن الإسلاميين لا يقبلون بالصوت الآخر. لاحظ أن من حكم مصر لمدة سنة كاملة هم الإخوان وليسوا السلف، وهو الفريق الإسلامي الأكثر اعتدالا والأكثر امتهاناً وخبرةً للسياسة. من يراجع الكتابات الفكرية لنخبهم يجدهم الفريق الأكثر براغماتية وديناميكية، لكن تجربتهم في الحكم أثبتت أنها حركة مُقصية طاردة نافية لكل من يخالفها الرأي وتريد الاستفراد.
ما لفت انتباهي ليس هذا فقط، بل المثير حقاً في أمر الإخوان المسلمين أنهم وعلى غير التوقع قاصرو النظر إلى درجة كبيرة ويفتقرون إلى المهارة السياسية. منذ أن رأت الحركة الإسلامية النور بفضل التأثير الكبير لحسن البنا في أربعينات القرن الماضي، اصطدمت الحركة مباشرة بالسلطة المصرية آنذاك بسبب اغتيال رئيس الوزراء السابق محمود النقراشي (28 ديسمبر 1948) وأعدم بسببها زعيم الاخوان. منذ ذاك الزمان لم يتوقف نشاط الاخوان في المعارضة والعمل السري ضد الحكومات العربية والإسلامية، الأمر الذي جعلهم يحملون كما هائلاً من الخبرات يندر أن تجدها لدى أي حركة أو حزب آخر. مع كل ذلك لم يصمدوا بالحكم وإدارة شعب بأديان ومذاهب وأطياف وأعراق مختلفة ومتنوعة لأكثر من سنة!
أعلم أن المتبادر للذهن الآن هي صورة تونس وتركيا، فكيف فشلت تجربة الاخوان هنا مع وجود أنظمة إخوانية في الحكم؟ بصراحة الاستشهاد بقيام دول إخوانية في تونس وتركيا لا تصلح إلا دليلا على فشل التجربة الإخوانية في مصر لا نجاحها، كيف؟
الإخوان في مصر ليسوا كبقية الإخوان في دول العالم، لأن منهم المؤسس حسن البنا وحسن القضيبي وسيد قطب وعمر التلمساني ويوسف ندا وسيد رمضان والقرضاوي وكوكبة واسعة من المنظرين والمفكرين والقادة والتجار والعلماء، الأمر الذي وفّر لهم سهولة السيطرة على مفاصل المال والاعمال في الكثير من دول العالم لجانب بناء علاقات مميزة مع السلطات الدولية (السعودية وقطر ومصر أوائل أيام عبدالناصر وألمانيا وغيرها)، وبالتالي لم يكن غريباً أن يحتل المصريون مواقع الإرشاد والقيادة للمناصب الإخوانية في كل مكان. من هنا أقول ان نجاحهم كحركة في أماكن أخرى إلا مصر ما هو إلا عيب في إخوان مصر بسبب عدم قدرتهم لإقناع الشارع المصري طوال هذه المدة.
أما العيب الأخير في الحركة الإخوانية بصورة عامة فيتمثل في جانبين إضافيين: عمقها الطائفي وحضور العنف في أيديولوجيتها. فأما الطائفي فانظر لموقف نظام مرسي وأردوغان من فتاوى قتل الشيعة والشهيد حسن شحاتة، وأما العنف في تعاملاتها فارجع لتنظير سيد قطب!
*نقلا عن "الرأي" الكويتية