شباب سنّي وشيعي
يخفي النزاع المسلح بين مشاريع كبرى في المنطقة صراعاً سنياً شيعياً، بدأ يأخذ في لبنان أبعاداً خطيرة، لا سيما بين الشباب في مواقع مختلفة، من الشارع الى المؤسسات والجمعيات، ولم تسلم منه المدارس والجامعات. ويستحضر هذا الصراع كل الموروث التاريخي بين الفريقين، من الخلاف الى الدعوة والتفسير والتأويل، وترفع متاريس متقابلة الى حد ما عاد ممكناً جمع شباب الطرفين في مكان واحد، فكيف في بلد متعدد ومتنوع، لا يمكن فيه الفصل بين الناس والشباب جراء التداخل القائم في الحياة والاجتماع والاقتصاد والتربية وكل مكونات المجتمع.
لكن محاولات الفرز والفصل بين الشباب السني والشيعي، تجري على قدم وساق، وليس استحضار الخلاف التاريخي، معطوفاً على الصراع الاقليمي والداخلي الا تأكيد لإطالة أمد الصراع، الذي لا يحسمه طرف في ظل الاصطفاف القائم بين المذهبين الاسلاميين، بل مزيد من القتل والخسائر والأرواح. وعندما تنبش قبور لأهل الصحابة في سوريا الى تفجير مساجد واستهداف مقامات في العراق الى العنف الخطابي في لبنان، تسير الأمور الى مزيد من التعقيد والاصطفاف المتقابل، بحيث لا يعود هناك مكان للشعور الوطني ومناعته والانتساب الى الدولة والمؤسسات.
في لبنان لم يسلم مكان يجمع بين الشباب السني والشيعي، الا وتصدع، قبل أن نتحدث عن الشباب المسيحي من الطوائف المختلفة، والذي يكتوي هو ايضاً بنيران الفريقين المتصارعين، حتى بات في امكاننا القول أن المناطق التي فيها أكثرية مسيحية لا تزال تنتسب الى الكيان والدولة والوطن، وتلك التي فيها أكثرية، اما سنية أو شيعية، تخوض صراعاً خارج الكيان، له امتداداته المذهبية في غير مكان. ولا تسلم الجامعات في تلك المناطق من الاصطفاف بين شباب المذهبين الاسلاميين، ولا حتى النوادي والجمعيات، الى مؤسسات الدولة تبعاً للأكثرية فيها من مذهب بين الطرفين. وعندما يذهب الشباب اللبناني المصطف بين المذهبين للقتال في سوريا دفاعاً عن المقامات عند الشيعة أو دفاعاً عن أهل السنة، فهذا ذروة الانقسام الذي يمتد بأشكال مختلفة الى المؤسسات في لبنان.
أما اذا استمر هذا المناخ في المنطقة ولبنان، فسنشهد السنة المقبلة اصطفافات أكثر حدة، خصوصاً في الجامعات والمؤسسات، اذا كان انقسام الشارع تحصيل حاصل. لكن المخاوف تبقى في ان لا تعود مؤسسات التعليم العالي المكان الجامع للتنوع ومنبع الأفكار والتواصل، طالما نرى أن الصراع السني الشيعي يدخل الى العظام، ولا تعود معه لقاءات الحوار والصلاة بين شيوخ المذهبين في مكان واحد مجدية. ذلك يطرح مسألة الكيانات ومشكلة الهوية، والانتماء الى الوطن والدولة، حتى لا تتحول كل قضية عادلة تخصنا جميعاً الى مشكلة صراع سنية شيعية! وليبقى سلّم القيم لدى الأفراد والجماعات نستوحي منه ونرجع إليه، لنستحق بلادنا!
*نقلاً عن "النهار" اللبنانية