.
.
.
.

يوميات البحث عن الصحة

عادل الزبيري

نشر في: آخر تحديث:

أكتب هذه الأسطر وأنا أنتظر الطبيب، خلال شهر كامل، توقفت عن العمل اضطراراً، بسبب مرض ألم بي قبل 10 سنوات، واسمه الروماتيزم، اعتقدت خاطئاً أن العام 2003 كانت بداية ونهاية علاقتي بهذا المرض، حساباتي كانت غير دقيقة، ليعود المرض من جديد مع مقدم الصيف، ليضطرني أولاً للجلوس أرضاً في مقر وزارة الخارجية المغربية، خلال التغطية الرسمية لزيارة الوزير الأول التركي للمغرب، قبل العودة من جديد للبحث عن أطباء أجد على أيديهم تخفيفاً من ألم رهيب ألمَّ بي، على غفلة مني، وحول ليالي طويلة إلى ساعات من الأنين، وأعتقد أن هذا الألم يشبه السعار، ويمكن أن يؤدي بصاحبه للجنون.

وخلال رحلة الانتقال ما بين العيادات والمستشفيات، ومراكز إجراء التحاليل، عادت من جديد إلى بالي صورة القطاع الصحي الكارثية، فأول ما يجب تقبله هو الانتظار لساعات وساعات، لأن كل طبيب عيادته تكون مكتظة جداً، فعدد الأطباء في المغرب غير قادر على سد الخصائص، والمغاربة يسافرون صوب العاصمة ولو لمرض بسيط، إيماناً أن الرباط أطباؤها الأفضل، بينما وزراء الصحة المتعاقبون يحاولون وضع مزيد من أحمر الشفاه على وجه شاحب للصحة المغربية، التي تئنّ وتحتاج لحلول عاجلة وعملية وليس إلى مناظرات.

من بين نقاط الضعف في القطاع الصحي في المغرب، ضعف التواصل بين الأطباء والمرضى، سواء تعلق الأمر بممرضات أو ممرضين أو إداريين، فقد لا يجيبك هاتف العيادة، أو تجد موعداً مع الطبيب بعد مرور أيام قد تطول، لأن غالبية أطباء العاصمة الإقبال عليهم كبير جداً، أو ربما قد يتعلق الأمر بتقنية لتسويق قيمة الطبيب المعالج، من خلال امتلاء جدول أعماله، أو الادعاء بذلك، ولو كان لك موعد مع الطبيب تأتي قبله بساعة، وتضطر للانتظار طويلاً، وهذه مشاكل يمكن حلها بتدبير حديث للعلاقة ما بين العيادات والمستشفيات والمريض باستعمال التقنيات التكنولوجية الحديثة، أو بحلول تخفف على المريض داء اسمه الانتظار، الذي يزيد من توتره، فلا يمكن أن تطلب من مريض يئن من شدة الألم أن ينتظر طويلاً.

ومن جهة ثانية، يجب الاعتراف بوجود كفاءات طبية مغربية جيدة، لها من الخبرة ومن الكفاءة الكثير، إلا أن صورة الصحة المغربية لدى المواطن تميل كثيراً للسوداوية، وهذا ما تعكسه تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة، التي تصنف المغرب في خانة الكسالى، وترد عليه الرباط بأن مؤشرات هذه التقارير غير موضوعية، وتطالب بتغييرها.

وخلال رحلة الاستشفاء، زرت مستشفى ابن سينا في الرباط، عودة للمستشفى الذي قضيت فيه 4 أسابيع خلال سنوات الدراسة في معهد الصحافة في الرباط، لما جئت منهزماً لأول مرة في أول عراك مع الروماتيزم، وهنا أدعو كلاً من وزير الصحة، ومعه رئيس الحكومة في المغرب، للقيام بالتوجه لهذا المستشفى، ليس للزيارة ولكن بحثاً عن العلاج، ففي هذا المكان يمكن تصوير فيلم سينمائي أميركي ناجح، عن مستشفى في دولة تعاني من الكوارث، للأسف كلنا نعرف حقيقة الصحة المغربية، ولكن لا أحد يمتلك اليوم حلاً أو مقترح مخرج، لأن مجتمعاً من دون صحة، لا أ عرف ربما الوصف المناسب.

ولم أتردد في سؤال مثير للأطباء عن أسباب هذا الواقع الصحي الكارثي، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، هنا تأتي إجابات جاهزة في الغالب، ويندر أن تجد طبيباً يتمهل قبل أن يناقش معك بعمق جوهر الكارثة في الصحة، والانتقادات تتجه صوب النظام الإداري، فيما تستمر رحلة المعاناة للمواطنين الحالمين بالاستشفاء والعلاج، سواء توقفوا على إمكانية مالية أو أتوا صفر اليدين للمشفى.

بصراحة، أقترح أن نرفع الأيادي للسماء، لندعوا الله بألا نمرض، لأن أماكن العلاج، إلا فيما قل وندر، في المغرب تجد على أبوابها علامات استفهام كثيرة، فالرشوة والمحسوبية والزبونية أمراض مزمنة في جسد الصحة العمومية، والانتظار قاتل جداً للمريض في العيادات الخاصة.

فلا أستطيع التقدم بأي اقتراح للصحة، لأنه قطاع له خبراؤه، وله رجالاته ونساؤه الذين يفهمون ما لا أفهم، ولكن السيدة الجالسة بقربي، وهي مغربية مقيمة في هولندا، في إحدى المصحات الخاصة في الرباط، أخبرتني أنها ستنتظر الطبيب، وإذا لم يأتِ فإنها ستبحث عن أول طيارة لتقطع إجازتها السنوية، وتعود لبلد إقامتها الأراضي المنخفضة، لتزور طبيبها الهولندي، الذي تفتقده كثيراً في ساعات ألمها المر هنا في المغرب، لما دقت الساعة الرابعة، نادت الممرضة أن الدور وقف علي، قمت من مكاني متثاقلاً، بعد أن قضيت 4 ساعات من نهار رمضاني أنتظر دوري لدخول قاعة الكشف.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.