أوسكار لأوباما

حسان حيدر
حسان حيدر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

بعد تسعة أشهر على توليه منصبه، مُنح الرئيس الأميركي باراك أوباما جائزة نوبل للسلام، بتعجّل استند إلى خطابات بليغة عن خططه لتغيير العالم. وكان لم يفعل شيئاً بعد.

أما اليوم، وهو لم يفعل شيئاً بعد خمس سنوات، فيستحق جائزة الأوسكار لأفضل ممثل، كونه تمكن من خداع الجميع بلغته الراقية التي تتلاشى بمجرد خروجها من فمه ولا يبقى منها سوى أضغاث وعود، وبقدرته على تلبس الأدوار وإقناع السامعين بجديته، لينتهي الأمر كأنه لم يكن بعد تركه خشبة «المسرح».

كان نصيب الشرق الأوسط من «حرفة» اول رئيس اميركي أسود كبيراً. فهو اغدق عليه الآمال بمستقبل ابيض ناصع، يحب فيه الجميع بعضهم بعضاً ويتعايشون في سلام ابدي ونيات صافية. حتى ان الذين استمعوا الى خطابه «التاريخي» في القاهرة حلموا بأنه سينقلهم الى كوكب مختلف، ليس فيه اسرائيل الغادرة الحاقدة التي يعرفون، ولا حروب ولا دمار ولا جيوش، وأيضاً لا جوع ولا عوز ولا ديون.

كان عند العرب مشكلة كبرى يريدونه ان يساعد في حل عادل لها. اليوم تعج دنياهم بالمشكلات المعقدة والدامية وبالتدخلات، فيما هو ينتقل إلى دور المتفرج. وبين الحين والآخر يرسم خطوطاً حمراً، ليتبين لاحقاً انه لا يميزها عن باقي الألوان.

ظن الفلسطينيون مثلاً انه جاء إلى البيت الأبيض أخيراً رئيس سيضغط على إسرائيل لإجبارها على القبول بدولتهم، فإذا بهذه الدولة الافتراضية تتقلص وتتقلص في عهده حتى تكاد تتحول الى نقاط لا ترى على خريطة اسرائيل الكبرى، يقضمها المستوطنون كل يوم، فيما هو قلق على أمن الدولة العبرية من «جحافل الأصوليين» الذين تنشرهم دعايته في كل مكان على خريطة المنطقة، من بيشاور الى تطوان. اما جهود وزير خارجيته الذي يحب السفر كثيراً، فتنصب على اقناعهم بضرورة مراعاة مخاوف الإسرائيليين وطمأنتهم.

السوريون بدورهم انتظروا، وهم يُقتلون وينزحون وتُدمر بلادهم، ان تتحرك الدولة العظمى لإنقاذهم من رئيس مستبد ومدجج... ولا يزالون ينتظرون أن يتكرم نواب وشيوخ أميركيون لا يعرفون عن الشرق الأوسط سوى ان هناك عرباً متوحشين يتحينون الفرصة لإلقاء اليهود في البحر، بتقليص مخاوفهم من وصول اسلحة لم ترسل، ولن ترسل، الى ايدي «الإرهابيين».

اما الإنذارات المتكررة التي يوجهها الى ايران بأنه لن يسمح لها بامتلاك السلاح النووي، فصارت مثل مذكرات وزارة الخارجية الروتينية التي تحذر الأميركيين من السفر الى مناطق الاضطرابات او نشرات وزارة الصحة التي تنصحهم بالتلقيح قبل زيارة دول نائية. فيما نظام آيات الله المنتشي بـ «الجائزة» العراقية، يحفر مواقع التخصيب في الجبال، ثم يطالبه بخطوات عملية تثبت جدية رغبته في التفاوض، ويتمادى في التدخل في سورية ولبنان واليمن والبحرين وسائر الجوار بلا رادع.

وحتى الأوروبيين الذين ظنوا انهم معه في «خندق» واحد، رغم انهم لا يعرفون ضد من، استفاقوا ليجدوا اجهزة تنصت في غرف نومهم تحصي انفاسهم، وهو يفاوضهم على شراء ترهات ثقافته الهوليودية الفارغة.

ربما حان الوقت ليعود العرب الى مثلهم القديم: «ما حك جلدك مثل ظفرك»، ويتخلوا عن انتظار وهم «التفهم» الأميركي لمشاغلهم، وينصرفوا إلى حل مشكلاتهم بأيديهم، ويتركوا لأوباما لذة النظم والإلقاء.

*نقلا عن "الحياة" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط